المأمور به . وكذلك القول في النهى . وذلك يصحح ما قلناه من أنه كان يجب أن يكلم الموجود والمعدوم ، والحي والموات جميعا . فأما من ارتكب منهم في القديم تعالى أنه آمر لم يزل ، ومتكلم لم يزل ، من المتأخرين ، فجميع ما ألزمنا هم لازم له ، ويلزمه كونه ذامّا مادحا فيما لم يزل ، وإن يثبته مثيبا معاقبا لم يزل ، نافعا ضارا لم يزل . ومتى دفع / ذلك بأن النفع والضرر والثواب والعقاب لا يصح إلا بأن يحصل حادثا في أجسام مخصوصة ، فكذلك الذم والمدح لا يكون إلا كلاما يترتب في الحدوث . فإن أثبتوا كلاما مخالفا للمعقول في الشاهد ليصح لهم ما تمسكوا به لزمهم إثبات ثواب وعقاب ونفع وضر ، مخالف لهذا ليصح كونه موصوفا به لم يزل . وسنبين من بعد سائر ما يلزم على هذه الجهالة . وقد ألزمهم شيوخنا - رحمهم اللّه - على قولهم أنه متكلم لنفسه القول بأنه كاذب لنفسه ، كما أنه صادق لنفسه ، لدخولهما تحت كونه متكلما .
يبين ذلك عندهم كونه آمرا لنفسه ، وناهيا لنفسه ، لدخولهما جميعا تحت كونه متكلما . والقول إنه كاذب لنفسه يوجب ألا يوثق بشيء من أخباره ولا بوعده ووعيده . وفي ذلك الخروج من الدين . ويوجب تجويز كونه آمرا بالقبائح وناهيا عن الحسن ، وذلك يؤدى إلى أن يكون كاذبا بالخبر عن الشيء وصادقا بالخبر عنه ، وآمرا بنفس ما نهى عنه ، لأنه ليس وصفه بأحد الأمرين أولى من الآخر ، إذا كان متكلما لنفسه .
وقد اعتصموا من هذا الكلام بأن قالوا : إنه تعالى صادق لنفسه ، فلا يجوز أن يكذب ، كما [ أنه ] « 1 » لمّا ثبت كونه عالما لنفسه لم يجز عليه الجهل ، فلذلك سقط عنا ما ذكرتموه .
وهذا الكلام يبطل من وجوه ، منها : أنه لا سبيل لهم أولا إلى إثباته صادقا ، فضلا عن أن / يقولوا إنه صادق لنفسه ؛ وكيف يصح منهم دفع ما ألزمناهم بإثباته
هامش
( 1 ) زيادة اقتضاها السياق .