تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
فإن قال : إن كونه مكلما يتعدى إلى مكلم موجود ، كما يتعدى كونه رائيا إلى / مرئى موجود ؛ فلذلك لم يوصف بأنه مكلم فيما لم يزل ، ووصف بأنه متكلم ، كما لم يصفوه بأنه راء لم يزل ، وإن كان بصيرا عند كم فيما لم يزل . قيل له : لو سلم أن الأمر كما ذكرته لوجب عند وجود الأشياء أن يكون مكلّما لها بسائر ما يصح أن يكلمها به في كل وقت ، حتى يسوى بين الحي والجماد ، والجوهر والعرض ، والأنبياء وغيرهم ، وحتى يكلم الواحد منا بالأمر بالشيء والنهى عنه ، والإخبار عن الشيء على وجه الكذب والصدق ، كما يجب كونه رائيا لكل ما يصح رؤيته عند وجوده من غير تخصص . على أن للرائي عند وجود المرئى حكم حاصل لم يكن له من قبل . فيصح القول بأنه عند كونه رائيا يجب أن يرى كل موجود تصح عليه الرؤية ، وليس للمكلم حال سوى كونه متكلما ، وإذا كان متكلما لم يزل ، وجب كونه مكلما لم يزل ، كما يجب كونه عندهم مخبرا وآمرا وناهيا لم يزل . وبعد ، فإن كونه مكلما لا تعلق له بوجود المكلم ، لأنه يصح من أحدنا أن يقصد بكلامه كل ما يعتقده من موجود ومعدوم ، وحي وجماد ، كما يصح أن يقصد بكلامه من يفهم ومن لا يفهم ، فتعليقهم كونه متكلما بوجود المكلم لا يصح . وإنما علقنا كونه رائيا بوجود المرئى لما ثبت أن عدمه يحيل رؤيته ، ولم يثبت أن عدم الشيء يحيل أن يكلم ، بل قد ثبت خلافه ، فيجب إبطال ما / تعلقوا به . فإن قال على الجواب الأوّل : إن من حق المكلم أن يكون موجودا ، ويكون مع ذلك ممن يفهم ما تكلم به ، فلذلك لم يجب كونه مكلما للجماد والأعراض . قيل له : على تسليم ما سألت عنه ، يجب كونه مكلما لكل حىّ على كل وجه يصح أن يكلّم عليه ، حتى يأمره بكل شيء ، وينهاه عن كل شيء ، ويخاطبه