بالصدق والكذب ، وذلك كاف في إبطال قولهم ، فكيف وما قاله لا يصح ؟ لأن الواحد منا قد يكلم من لا يفهم ، ويصح ذلك منه ، كما يكلم من يفهم ، وإنما يصح ذلك منه ، لأنه يكون عابثا غير مفيد ، وإذا صح أن يكلم من لا يفهم فيجب أن يصح أن يكلم الجماد والمعدوم ، كما يصح أن يأمر الكل . والكلام في حسن ذلك يخالف الكلام في صحته ، وصفات النفس لا تختص بما في الشاهد دون ما يصح ، فيجب كونه مكلما لكل شيء من حيث صح في كل شيء أن يكلم ، كما يجب كونه عالما بكل شيء إذا كان عالما لنفسه .
فإن قال : أقول في ذلك كقولكم في الخطاب : إنه لا يصح كونه خطابا لمن لا يفهم ؛ فمتى وجد صار خطابا ، فكذلك يصير مكلما له بالكلام المتقدّم عند فهمه .
لذلك قيل له : إنما خصصنا الخطاب بما ذكرته لأن المخاطبة مفاعلة ، ولا تستعمل إلا بين نفسين يصح من كل واحد منهما أن يخاطب ابتداء ، ويجيب صاحبه عن خطابه ، وإن كان في التعارف / قد استعمل فيمن يخاطب غيره ، وهو على صفة يصح أن يفهم ويجيب ، وإن لم يجب ولم يخاطب . ولذلك يقال :
إن فلانا خاطب فلانا بكتابه ورسوله ، وإنه عز وجل خاطب العقلاء وفهموا عنه .
ولذلك لم يسمّ القول خطابا إلا إذا كان المخاطب بالصفة التي ذكرناها ، ولذلك تصف المكلم لغيره بأنه مكلم له وآمر وناه ، وإن كان معدوما ؛ لمّا لم يقتض في المكلم ما ذكرناه في الخطاب .
ولذلك يصح أن يقال في زيد : إنه كلم النائم ، ومن لا يفهم من كلامه شيئا ، فإذا صح ذلك وجب لزوم ما قدّمناه لهم على كل حال .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 69
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٦٩