وبعد ، فإنا إنما لا نسمى الأمر خطابا إلا عند فهم المخاطب ، وإلا فالذي هو خطاب له قد وجد ، فيجب أن يقولوا : إنه في الحقيقة مكلم لكل أحد على كل وجه ، وإنما لا يسمى مكلما إلا عند وجود المكلم ، ومتى قالوا ذلك فقد أعطوا ما أردنا من المعنى .
وأما قول من قال منهم : إنه تعالى متكلم لنفسه ، ولا يوصف بأنه آمر أو ناه إلا عند وجود المأمور والمنهى ، فقد سقط بما قدّمناه ؛ لأن كون الآمر آمرا لا يتعلق بوجود المأمور ، على ما قدمناه ؛ ولذلك يقال في الموصى إذا رسم لولده وولد ولده ما تناسلوا في وصيته امتثال أمر رسمه ، بأنه قد أمرهم في وصيته بكيت وكيت ، ولذلك يقال فينا ، إذا فعلنا ما أمر به النبي عليه السلام « إنا مطيعون له » ولولا كونه أمرا لنا لم نكن نفعل ما أمر به مطيعين ، فيجب على هذا القول كونه آمرا فيما لم يزل ، كما أنه متكلم لم يزل ، فأما كونه مخبرا لم يزل ، فأبين ؛ لأن كون الخبر خبرا لا يتعلق بوجود المخبر عنه ؛ ولذلك يصح أن نخبر عن المعدوم والموجود جميعا كما نعلمهما معا ، فقول من امتنع من كونه مخبرا لم يزل ، وإن كان متكلما فيما لم يزل ، في نهاية البعد . فأما قولهم إنه إنما لم يكن آمرا فيما لم يزل ، لأن الأمر إنما يكون أمرا لوجود التأمير ، كما أنه متكلم لوجود التكليم ، فما قدّمناه يبين فساده . والتأمير ليس من هذا الباب في شيء ؛ لأنه من الولاية والإمارة دون الأمر ، ولو كان هو الموجب لكونه أمرا لم يمتنع وجود الأمر مع إرادة المأمور به ، ولا يكون أمرا من حيث لم يوجد التأمير ، أو يوجد ذلك دون الأمر فيكون آمرا ، وسقوط ذلك واضح .
وكل ذلك يبين صحة ما نقوله من أن المكلم لغيره إنما يحصل مكلما له بأن يقصده بالكلام دون غيره ، ويكون آمرا له متى قصده بالكلام وأراد منه
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 70
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٧٠