متكلما ، وفصلنا بينه وبينه المعلوم ، وبسطنا القول فيه في باب الإرادة أيضا ، وذلك يسقط السؤال .
على أنه لو كان متكلما لنفسه لوجب كونه متكلما لكل أحد ، في كل وقت ، على كل وجه ، لأنه إذا ثبت ذلك للنفس فليس بعض المتكلمين بأن يكلمين أولى من غيرهم ، ولا بعض الأوقات بأن يكلمهم فيه أولى من بعض ، على ما دللنا عليه من قبل في أن صفات النفس لا يقع فيها اختصاص في الوجه الّذي تصح عليه ، فإذا بطل كونه مكلما لكل أحد في كل وقت على كل وجه . بطل كونه مكلما لنفسه ، فإن قال : إني لا أقول : إنه مكلم للنفس ، وإن كان متكلما لنفسه .
قيل / له : إن المكلم إنما يصير مكلما لغيره بما به يصير متكلما ، وإن كان كونه مكلما أخص من كونه متكلما ؛ كما أن المخبر إنما يصير مخبرا بما به يصير متكلما ، وإن كان أخص منه . فلو كان متكلما لنفسه وجب كونه مكلما على سواء ، وليس كذلك حال الوصف بأنه معلم ؛ لأن معناه أنه فعل العلم في غيره ، وإن كان قد تعورف في الشاهد استعماله فيمن يلقّن غيره ، ويحترف بذلك ، فلذلك صح أن يختص بالتعلم بعضا دون بعض ، وإن كان في كونه عالما لا يختص بأن يعلم معلوما دون غيره .
فإن قال : إنا لا نقول إنه متكلم لنفسه ، بل نقول : إنه يعلّم غيره بالتعليم لا لنفسه ، ونقول : إنه متكلم لنفسه ، كما أنه عالم لنفسه .
قيل له : إن فعل العلم في قلب الغير معقول ، فيصح أن نعتده بوصفنا له بأنه معلم ، ويجعل المستفاد بذلك غير المستفاد بوصفنا له بأنه عالم ، وليس هاهنا أمر معقول يسمى متكلما تكليما سوى الكلام الّذي يتكلم به الغير ، فكيف يصح أن يجرى مجرى ما ذكرناه في التعليم ؟ ويدل على ذلك : أن المكلم لغيره لو فعل تكليما
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 66
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٦٦