حالهما حال المعلوم ، ولذلك أوجبنا كونه عالما بكل معلوم من الأجناس والأعيان ، لمّا كان عالما لنفسه . ولم نوجب كونه قادرا على كل عين ، وإن كان قادرا لنفسه .
وإذا صح ذلك فيجب أن يكون متكلما بالكذب والصدق ، والأمر بالقبيح ، والنهى عن الحسن ، ويخبر عن كل ما يصح الإخبار عنه ، ويأمر بكل ما يصح الأمر به .
وهذا شيء متى قيل به أدى إلى الخروج من الدين ، وألّا يوثق بكتاب ولا شرع ولا خبر عن كل ما يصح الإخبار عنه ، ولا أمر « 1 » بكل ما يصح الأمر به . وهذا مخالف لقوله تعالى :
مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ
« 2 » .
فإن قيل : إنه تعالى يجب أن يكون متكلما بأقسام الكلام ، فأما ضروبه فلا يجب ، لأن كون الكذب كذبا يرجع إلى القصد لا إلى جنسه ، ولا يصح أن يثبت لنفسه على صفة يحصل الموصوف عليها بالقصد . فنحن نقول : إنه يتكلم بمثل الكذب ، ولا يجوز / كونه متكلما بالكذب . وكذلك قولنا في سائر ضروب الكلام .
قيل له : إن هذا بعينه يوجب ألا يكون صادقا لنفسه ، ولا آمرا بالحسن لنفسه . فإذا بطل ذلك ما تعلقوا به .
وبعد . فإن الأمر عندهم لا يكون أمرا بالإرادة ولا الخبر ، فكيف يصح لهم ما تعلقوا به ؟ ويجب لو كان خبرا وكذبا وأمرا بإرادة أيضا أن يكون تعالى ، إذا كان مريدا لنفسه عندهم ، أن يريد الإخبار بالخبر على وجه يكون صدقا وكذبا .
وفي ذلك صحة ما ألزمنا هم ؛ فإن قالوا : إنه متكلم لنفسه ولا يجب ما قلتموه ، كما أنه قادر لنفسه عندكم ، ولا يجب كونه قادرا على مقدور غيره . فهذا قد أسقطناه وبيّنا القول فيه في تضاعيف الدلالة ، وبيّنا أن ذلك يقوى ما ذكرناه في كونه
هامش
( 1 ) الأصل : « ويأمر » .
( 2 ) الآية 78 من سورة غافر .