وجوده من جهة اللّه سبحانه ، وذلك قائم في الكلام فيجب ألا يصح أن تعلموا في شيء من الكلام أنه كلام له تعالى .
فإن قلتم : إنا نعلم ذلك من حيث يقع على وجه من الفصاحة لا يتأتى مثله من العرب الذين قد تناهوا في الفصاحة .
قيل لكم : ما الأمان من أنه تعالى قد أعطى بعض القادرين من العلوم ما يتمكن معه من فعل ذلك ، كملك أو غيره ؟ فلا يدل ما ذكرتم على أنه تعالى متكلم بذلك أصلا .
فإن قلتم : إنا نعلم ذلك بقول الرسول صلى اللّه عليه ، أو الإجماع .
قيل لكم : إن ذلك إنما يصح بعد أن يثبت أن أول من علم كلام اللّه عز وجل يصح أن يعلمه كلاما له ، ثم يؤديه إلى غيره من / الرسل ، ويعرفنا ذلك من حاله . فأما إذا استحال فيجب تعذر الطريق إلى العلم بما ذكرتم . وهذا يبطل قولكم ، ويبين أنه تعالى متكلم لنفسه أو بكلام قديم ؛ لأنه إذا وجد كونه متكلما ، وبطل كونه كذلك بكلام حادث وجب ما ذكرناه .
قيل له : إنا لا نعلم الكلام كلاما له سبحانه بأن نسمعه فقط ، وإنما نعلمه كلاما له إذا حصل معجزا ودل على صدق الرسول صلى اللّه عليه . وخبرنا أنه كلامه جل وعز ، وأنه لم يمكّنه من قدر من العلم يمكنه معه فعل مثله ، ولسنا نعلم بهذه الطريقة كون ما سمعه منه عليه السلام كلاما له سبحانه ؛ لأن الحكاية عندنا غير المحكى ، وإنما نعلم بذلك أن المحكى كلامه عز وجل ، والملك الّذي أداه إلى الرسول صلى اللّه عليه إنما يعلمه كلاما له جل وعز بمعجز يظهر ، يقتضي أنه المتكلم به ، لأنه تعالى إذا فعل الكلام وقارنه الإخبار عن أنه المتكلم به ، ووجد عنده معجز ، علم بذلك أنه كلامه جل وعز . فإذا علمنا بهذا الطريق أنه كلامه جل وعز صح أنه متكلم به ، وسقط بذلك سائر ما سأل عنه .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 60
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٦٠