فصل في أنه تعالى لا يجوز أن يكون متكلما لنفسه « 1 »
/ إثبات صفة له عز وجل للنفس لا تعقل لا يصح ، لأن ذلك مما يجب كونه معقولا ومتوصّلا إليه بالدليل . ومتى لم يصح فيه كلا الأمرين وجب العلم بنفيه ؛ لأنّ الصفات النفسية فيما يعلم بالدليل يجب إثباتها « 2 » بالدليل ، كما يجب فيما يعلم إثباته بالإدراك إثباته بالإدراك . فإذا صح ذلك وبيّنا أنه ليس للمتكلم منّا بكونه متكلما حال ، وأن الّذي يعقل من ذلك هو كونه فاعلا للكلام ، فكيف يصح أن يثبت تعالى متكلما لنفسه ولا تعقل للمتكلم حال أصلا ؟ وإنما صح كونه قادرا لنفسه لمّا ثبت للقادر اختصاص بحال بان به من غيره . وذلك لا يصح في كونه متكلما فكيف يصح إثباته كذلك للنفس . على أن ذلك يتناقض على ما قاله شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه ، لأن كونه متكلما يقتضي إثبات كلام وجد من جهته ، وكونه كذلك للنفس يقتضي نفى الكلام أيضا ، لأن المستحق للصفة النفسية يستغنى عن معنى يوجب تلك الصفة . ولهذا أحلنا كون المتحرك متحركا للنفس ، لأنّ آخر الكلام ينقض أوله ، على القول الّذي كان يقول فيه : إنه ليس للمتحرك بكونه متحركا حال . فقد صح أن إثباته سبحانه متكلما لنفسه محال ، وأنه بمنزلة إثباته عادلا لنفسه ، ومحسنا لنفسه ، في باب الاستحالة والتناقض . على أنه لا تعقل للمتكلم صفة إلا ما يعلم من صفة الكلام المسموع . فلو كان القديم تعالى متكلما لنفسه لم يصح أن يثبت الا على مثل حال الكلام المسموع ، وإلا لم يعقل لهذا الكلام معنى
هامش
( 1 ) في هامش الأصل : « بلغ نظرا من أوله . والحمد للّه على نعمه » .
( 2 ) الأصل : « إثباته » .