/ فصل في أن القديم سبحانه قد فعل الكلام وحصل به متكلما
طريق إثباته - جل وعز - متكلما هو العلم بوجود الكلام من جهته لا غير ، كما نقوله في كونه محسنا أو رازقا مميتا ، إلى ما شاكله من الأوصاف المشتقة من الفعل . وإنما كان كذلك لأن إثبات الفعل فعلا لفاعله من حيث ثبت كونه قادرا عليه لا يصح ، فيجب أن يرجع في إثباته فاعلا إلى العلم بوجود ذلك الفعل من جهته . وقولنا إنا نعلم أنه تعالى يثيب بالعقل ويعاقب بالسمع لا يعترض ما قدمناه ، لأنا نجيز وجود الثواب من جهته ونعلمه مثيبا . فلم يحصل لنا العلم بكونه مثيبا إلا من حيث علمنا وجود الثواب من جهته . وإنما يختلف طريق العلم بوجود الفعل منه . وربما علمناه بالخبر ، وربما علمناه بالإدراك ، أو لأنه وجد على وجه لا يصح أن يفعله سواه ، إلى ما شاكل ذلك .
فإن قال : هلا صح التطرق إلى العلم بكونه متكلما بأفعاله وصفاته ، كقولكم في كونه قادرا حيا ؟ أوليس مخالفكم يثبته متكلما من حيث استحال كونه أخرس وساكتا ، كما تثبتونه مدركا من حيث استحالت الآفات عليه ، مع كونه حيا ، وتثبتونه عالما من حيث استحال أضداد العلم عليه ؟ .
قيل له : إن الفعل لا يدل إلا على اختصاص الفاعل بالصفة التي لكونه عليها يصح منه ، ولا فعل يمكن أن يقال إنه يصح / من القديم تعالى من حيث كان اختصاص الفاعل بالصفة التي لكونه عليها متكلما ، فكيف يتوصل به إلى أنه متكلم ؟ وكيف يصح ذلك فيه ولا يصح في الشاهد ، لأنا قد علمنا أن فعل القادر منّا لا يقتضي كونه متكلما البتة ، وكذلك الفعل على وجه ؟ وكيف