وكذلك القول في القدرة والحياة فإن وجودهما لا في محل يقتضي قلب جنسهما ، وليس كذلك حال الكلام ، لأنه لا أمر يحيل وجوده في المحال على وجه يكون القديم تعالى متكلما به ، لأن ما ادّعوه من كونه متكلما لنفسه قد ثبت بطلانه ، فلا يصح أن يجعل مانعا من كونه فاعلا للكلام قادرا عليه .
وبعد . فلو ثبت ذلك كان لا يمنع مما قلناه ، لأن الكلام الّذي يبيّنه قادرا عليه متى وجد لم يوجب له حالا ، كالعلم والقدرة ؛ فلا يصح أن يقال إنه أو ضدّه يقتضي إخراجه عما هو عليه لنفسه .
على أن كونه متكلما من حيث فعل الكلام ، لا ينافي كونه متكلما لنفسه على وجه ولا ضدّ ينافي ذلك . فلو ثبت ما قالوه لم يمتنع كونه قادرا على إحداث هذا الكلام أيضا . وسائر ما يدل به على أنه عز وجل قد فعل الكلام يدل على كونه قادرا على جنسه ، لأن إيجاد الفاعل ما لا يقدر عليه محال .
على أن من خالف في ذلك يقول : إن أفعال العباد مقدورة للّه ، فكيف لا يصح أن ينفرد تعالى بإيجاد الكلام . وإذا صح أن ينفرد بإيجاد كل فعل يقدر على جعله كسبا للعبد عندهم ، فهلّا صح مثله في الكلام .
فإن قالوا : إنه تعالى ذكره قادر على إيجاده في المحل منفردا به ، لكنه لا يوصف به ، ولا يصير متكلما لأجله .
قيل لهم : إنا قد دللنا على أن فاعل الكلام يجب كونه متكلما به دون محله .
وفي ذلك إسقاط ما ذكرتموه .
فإن قالوا : / إن كونه قادرا على الكلام يقتضي حاجتنا إلى آلة وجارحة ، لأن إيجاده لا يصح إلا على هذا الوجه .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 56
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٥٦