تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
وكذلك القول في القدرة والحياة فإن وجودهما لا في محل يقتضي قلب جنسهما ، وليس كذلك حال الكلام ، لأنه لا أمر يحيل وجوده في المحال على وجه يكون القديم تعالى متكلما به ، لأن ما ادّعوه من كونه متكلما لنفسه قد ثبت بطلانه ، فلا يصح أن يجعل مانعا من كونه فاعلا للكلام قادرا عليه . وبعد . فلو ثبت ذلك كان لا يمنع مما قلناه ، لأن الكلام الّذي يبيّنه قادرا عليه متى وجد لم يوجب له حالا ، كالعلم والقدرة ؛ فلا يصح أن يقال إنه أو ضدّه يقتضي إخراجه عما هو عليه لنفسه . على أن كونه متكلما من حيث فعل الكلام ، لا ينافي كونه متكلما لنفسه على وجه ولا ضدّ ينافي ذلك . فلو ثبت ما قالوه لم يمتنع كونه قادرا على إحداث هذا الكلام أيضا . وسائر ما يدل به على أنه عز وجل قد فعل الكلام يدل على كونه قادرا على جنسه ، لأن إيجاد الفاعل ما لا يقدر عليه محال . على أن من خالف في ذلك يقول : إن أفعال العباد مقدورة للّه ، فكيف لا يصح أن ينفرد تعالى بإيجاد الكلام . وإذا صح أن ينفرد بإيجاد كل فعل يقدر على جعله كسبا للعبد عندهم ، فهلّا صح مثله في الكلام . فإن قالوا : إنه تعالى ذكره قادر على إيجاده في المحل منفردا به ، لكنه لا يوصف به ، ولا يصير متكلما لأجله . قيل لهم : إنا قد دللنا على أن فاعل الكلام يجب كونه متكلما به دون محله . وفي ذلك إسقاط ما ذكرتموه . فإن قالوا : / إن كونه قادرا على الكلام يقتضي حاجتنا إلى آلة وجارحة ، لأن إيجاده لا يصح إلا على هذا الوجه .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 56 | القاضي عبد الجبار الهمذاني