ومما يدل على ذلك : أن كل معنى أوجب للحى حالا صح أن يعلم الحي عليه ، وإن لم يعلم ذلك المعنى . ولذلك يصح أن نعلمه قادرا ، أو لا نعلم القدرة ، ونعلمه عالما قبل أن نعلم العلم . وقد ثبت أنّا لا نعلم المتكلم متكلما إلا وقد عرفنا كلامه ، كما لا نعلمه محركا وضاربا إلا بعد العلم بالحركة والضرب ، على جملة أو تفصيل .
ففي ذلك دلالة على أنه يوجب للحى حالا كما يوجبه العلم والقدرة .
فإن قال [ قائل ] على الوجه الأول : أليس السهو يوجب للساهى حالا ، ولا سبيل إلى معرفته باضطرار واستدلال ، فهلّا صح مثله في الكلام ؟ أوليس من قول أبى هاشم رحمه اللّه : إن الإرادة والنظر والعجز لا توجب للحى حالا وإن اختص الحي بذلك ، فجوّزوا مثله في الكلام ؟ .
قيل له : إن قوله في السهو قد اختلف . فربما قال : إنه معنى ينافي ما يحتاج العلم في الوجود إليه .
فإذا قال ذلك أجراه مجرى ما يختص المحل ، فلا يجب أن يوجب للجملة حالا .
وربما قال : إنه يضاد العلم في الحقيقة . وهو به أظهر من قوله ، ويوجب عنده حالا للحىّ إذا كان ذلك حاله ، ويعلمه الساهي على الجملة باضطرار أو بدليل .
وفي هذا إسقاط السؤال .
وعلى ما يقوله أبو إسحاق ويختاره من أنه ليس بمعنى أصلا ، فالكلام زائل .
وأما ما ذكره في الإرادة والعجز فهو / قوله الأوّل ، ثم رجع إلى أنهما يوجبان له حالا . ولو صح فيهما ما حكيته لكان لا تعلّق له بما قلناه ، لأنك أريتنا ما لا نوجبه للحى حالا . وذلك بأن تشهد لما قلناه في الكلام بالصحة أولى من أن تقدح فيه .
فإن قال : وجه طعنى بذلك في الكلام : أنه يوجب للجملة حالا ، وإن كان لا يعقل ، أعنى السهو والعجز ، فهلا جاز مثله في الكلام ؟
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 44
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٤