ولهذا نعتل في حاجة الكلام من فعلنا إلى بنية ، من حيث لا يصح منا إيجاده على الوجه الّذي يكون كلاما إلا بآلة ، ولا يمتنع وجوب اختصاصها ببعض الصفات ، ليصح منا إيجاده على الوجه الّذي يكون كلاما ، كما نقوله في سائر الآلات . وليس كذلك حكم القادر لنفسه ، لأنه ليس يحتاج في إيجاده لما يوجده إلى آلة ، ولا إلى سبب ؛ فصح أن يوجد الكلام في كل محل على ما نذهب إليه ، وإنما لا يبين من سقطت ثناياه ، أو لحقته « 1 » تمتمة أو لثغة ، لأن كل ذلك يؤثر في الآلة التي يفعل بها الكلام . فالتعلق به في حاجة الكلام إلى البنية لا يصح ، وإنما لا يصح منا إيجاد الكلام في كل موضع ، لأن البقاع كلها لا يختلف الهواء فيها على وجه يصح أن يتألف في جملته ما يصير آلة لنا ، ولا يصح منا إيجاده في غير اللسان إلا على الوجه الّذي يصح أن تفعله علته في لسانه ، من حيث كان لا يصح أن يفعل الكلام إلا متولدا ، فيجب أن تتساوى حالنا في سائر ما نفعله منه فعلناه في اللسان أو الصدى . وهذا المعنى لا يصح فيه تعالى ذكره . فغير ممتنع أن نوجد كلاما في محل ليس بمبنى بنية اللسان .
/ كما لا يمتنع أن نفعل كتابة من غير آلة ، وإن تعذرت علينا إلا بآلة مخصوصة . ولا يجب أن نحكم بحاجة الكلام إلى البنية من جنسه ، ونعول فيه على الشاهد ، لأنه يجوز أن يكون وجه تعلقه بالبنية في الشاهد هو لحاجة القادر بقدرة إلى آلة مبنية ضربا من البنية .
وإذا جاز ذلك فمن أين أنه يحتاج في جنسه إلى البنية ، على أنا قد بينا أن ما احتاج في وجوده إلى غيره فجنسه يحتاج إلى ذلك ، لا وقوعه على وجه . فلو
هامش
( 1 ) في الأصل : « لحقه » .