/ فصل في أن الكلام لا يوجب للجملة وللحىّ حالا
الّذي يدل على ذلك : أنه لو أوجب للمتكلم منّا حالا لوجب أن تكون لنا إلى العلم بما يوجبه سبيل باضطرار أو استدلال ؛ لأن ما يختص به الحىّ من الأحوال يجب ذلك فيه ، خصوصا إذا كان الموجب له معنى معقولا . والكلام معقول ، ولو أوجب للجملة حالا لوجب كونه معقولا . وفي تعذّر العلم بذلك دلالة على صحة ما قلناه .
فإن قال [ قائل ] : وهل الّذي ذكرتموه إلّا دعوى منكم لا تتعذر على كل أحد في نفى ما ينفيه ، فدلوا عليه ليتم لكم ما قلتموه .
قيل له : إنا لا نعقل من حالنا إذا تكلمنا ، أو من حال غيرنا باضطرار ، إلا الكلام الّذي ندركه من ناحية فيه ، ووقوعه بحسب قصده .
فأما أن تعقل لنا حال سوى ذلك ، كما تعقل حالنا في كوننا قاصدين ومعتقدين ، فمتعذر ، لا فصل بين من ادّعى أنه يعقل للكلام حالا سوى ما ذكرنا ، وبين من ادعى أنه يعقل للمحرك والمسكن والضارب أحوالا سوى وجود هذه الأمور من جهته ووقوعها بحسب قصده .
فأما من جهة الاستدلال ، فادعاء ذلك أبعد ، لأنه مما لا يدل عليه الفعل بمجرده ، أو بوقوعه على وجه ، ولا تقتضيه حال للحىّ . فيجب ألا يصح إثباته .
وإنما ثبت الواحد منا مشتهيا ، لأن كونه ملتذا يقتضيه ، أو لأنه يعلم باضطرار ، وذلك لا يتأنى في كونه متكلما ، / لو كان له به حال .