والافتراق لا يضاد التأليف في الحقيقة ، فلذلك لم يحتج إلى ما يحتاج إليه / في محله . وهذا آخر ما نعتمده في أنه لا يضاد التأليف . وإن كان لو ضادّه ، وقلنا : إن التأليف يحتاج إلى تجاور المحلين لا إلى المجاورة ، يسقط الكلام أيضا .
ومما يوضح صحة الطريقة الأولى أن سائر ما يختص الجملة يحتاج في وجوده في المحل إلى غيره ، ليصح أن يوجب الحال للجملة ، واختلافه لا يؤثر في ذلك .
وقد علمنا أن ما يختص المحل ، وإن أوجب حالا للمحل كالأكوان ، فإنه من حيث لا يفتقر إيجابه لما يوجبه إلى غير المحل لم يحتج إلا إليه .
وكذلك ما لا يوجب له حالا ويتعاقب عليه ، أو يجرى مجرى المتعاقب ، فإنه إنما يحتاج إلى المحل ؛ لأن منافاته لما ينافيه وسائر ما يرجع إلى ذاته لا تعلق له بغير المحل . فيجب ألا يحتاج إلا إليه . ولذلك قلنا في الموت : إنه لما نفى ما يتعلق بغير المحل لم تمتنع حاجته إلى معنى في المحل .
وأما أفعال القلوب فإنها تحتاج إلى بنية مخصوصة ، لعلمنا بأن فعل ما يقدر عليه منها يتعذر علينا في اليد وغيرها ، وإن كانت القدرة قدرة عليه .
ولا يصح أن يقال : إن ذلك إنما يجب فيها ، لأن القلب آلة تصل به إلى إيجادها ، لأن معنى الآلة لا يصح فيه من حيث يوجد فيه ما يقدر عليه ابتداء .
لا أنا نحتاج في إيجاد ما يوجده منها إلى أن يعمل القلب على حسب ما تعمل الآلات في الفعل ، فعلمنا أنها تحتاج في وجودها إلى هذه البنية .
فأما الكلام فإنما لا يصح منّا إيجاده إلا في / محل مبنى كاللسان واللهوات ، لأن ذلك آلة لنا في إيجاده ، من حيث تعمله في إيجاد الكلام على سبيل تصريف الآلات في الفعل . [ و ] لولا ذلك لصح منا إيجاده في سائر محال القدرة فقط ، وصح مفارقة الكلام لأفعال القلوب .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 40
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٠