قال : وإذا ثبت تضاد الأصوات والحروف فيجب أن يستحيل وجودها لا في محل ؛ لأن ذلك يوجب ألا يضادّها ضدها ، أو أن تتضادّ في المحلين .
وكلاهما فاسد ، فيجب القول ببطلان ما أدّى إليه .
وعلى هذه الطريقة لا يحتاج إلى حمل الأصوات على الألوان في / هذا الباب ، لأن نفس الدليل الّذي يدل في اللون قائم فيها . وإنما قدمنا الدلالة الأولى ، لأن تضاد الأصوات ليس بالبين عندنا . وسنذكر القول فيه إذا احتيج إليه .
وليس لأحد أن يقول : إذا كان إدراك الصوت لا يتعلق بإدراك محله ، فهلّا جاز وجوده لا في محل ، وقد يدركه المدرك على الوجه الّذي يدركه ، لو كان في المحل ، وذلك لأنا لم نمتنع من ذلك ، لأنه يؤثر في إدراك المدرك له ، وكيف نقول ذلك ، ونجدنا دائما نقول : لو وجد السواد لا في محل لوجب أن يدرك ، وتدرك الجواهر ، وإن استحال عليه الحلول في المحل ؟ . وإنما منعنا ذلك لما قدمناه من أنه يؤدى إلى ألا يضاد ضده . وذلك يجرى مجرى قلب جنسه . فأما من يقول إن المدرك للصوت يدركه بشرط مماسّة محله لسماخى « 1 » أذنيه . فقد يتعلق في استحالة وجوده لا في محل بأنه كان يجب ألا يدركه السامع بحاسة ، وذلك يضعف عندنا ؛ لأنّ ما جعلوه شرطا في إدراك المسموع لا يصح لما قدمناه من قبل ، من أنه كان يجب ألا يسمع الحاضرون كلام المتكلم على حد واحد ؛ وطريقة واحدة ، وألّا يدركوا الصوت على نظامه ؛ لأنه كان يجوز أن يختلف حال محله في انتقاله إلى الآذان ، وكان يجب ألا تعرف الجهة التي حدث الصوت فيها عند السلامة .
وفي صحة ذلك دلالة على أن الصوت مدرك في محله في مكانه من غير أن يماس / محلّة الحاسة ؛ وذلك يبطل ما تعلقوا به ، وإن كان لو سلّم ذلك لهم لضعف أيضا ،
هامش
( 1 ) السماخ ، كالصماخ : خرق الأذن .