فصل في أن من حق الكلام أن يختص المحل ولا يصح وجوده إلا فيه
أعلم أن حكم الكلام حكم سائر المدركات ، في أنه يوجد في المحل ويستحيل وجوده لا في محل ، ولا يوجب لمحله حالا ولا للحىّ ، وإنما يضاف إلى فاعله على جهة الفعلية .
والّذي يدل أوّلا على أنه يوجد في المحل : أنه يتولد عن اعتماد الجسم على الجسم ومصاكّته له ، ولا يجوز أن يولّد اعتماد المحل على المحل ما يولّده إلا في المحل الّذي اعتمد عليه . يدل على ذلك توليد الاعتماد / سائر ما يولده من الأكوان على اختلافها ، ولولا أنّ ذلك كذلك لم يمتنع أن يولد الاعتماد ، وإن لم يماس محله محل آخر . وفي تعذر ذلك دلالة على صحة ما قلناه .
يبين ذلك أن الصوت يختلف حاله بحسب اختلاف حال محله ، فصوت الطّست يخالف صوت الحجر ، ويوجد فيه بحسب حال محله ، وذلك يدل على أنه يوجد في المحل .
يوضح ذلك : أن الصدى يوجد في موضع دون موضع ، وحال المتكلم في الوقتين لا يختلف ، فلو لا حاجته إلى المحل لم يجب ذلك فيه ، فلذلك اختلفت أحوال الحروف فيما تحتاج إليه من البنية وفي مخارجها ، فلو لا حاجتها إلى المحل ، وصفات زائدة على المحل ، إذا كانت من فعلنا ، لم يجب ذلك فيها ؛ ولذلك تنقطع الحروف بالمخارج . فلو لا حلوله في الهواء أو غيره لم يجب ذلك فيه ، ولذلك يتعذر علينا الكلام إذا حبست أنفاسنا من كل وجه . وكل ذلك يبين أن الصوت والكلام يحلان المحل ، وأنهما في حكم الألوان والأكوان .