فينفى كونه خلقا . والقول بأنه فعل له جل وعز ، وأنه أحدثه مقدّرا ، ولا يوصف مع ذلك بأنه مخلوق ، وبأنه حادث . فيجب ألا يعترض به على الإجماع المتقدّم .
فإن قيل : أليس قوله تعالى
وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً
« 1 » أريد به كونه كذبا ؟ فما أنكرتم من أن القرآن لا يوصف بذلك لما فيه من إيهام كونه كذبا ؟ .
قيل له : المراد بذلك ما كانوا يصفونه من الأوثان على نحو قول إبراهيم عليه السلام
أَ إِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ
« 2 » يعنى الأصنام ، وسميت بذلك لمشابهتها الكذب في أنه لا حقيقة لتمسكهم بعبادتها . وذلك يبطل ما قاله .
وبعد . فلو كان المراد ما قاله لم يمتنع أن يوصف بذلك من حيث قدّروا ذلك الإفك وفعلوه ، فذلك يوجب وصف الصدق المقدر بذلك / ، على أن قوله :
تَخْلُقُونَ إِفْكاً
« 1 » لا يوجب أن يكون كل مخلوق من القول كذبا ، كما لو قال :
تقولون كذبا ، لما وجب أن لا قول إلّا كذبا .
فإن قال : أليس الظاهر في اللغة قولهم : خلقت الكذب ، واختلقته ؛ وذلك يدل على أن الكذب يختص بذلك ؟ .
قيل له : إن قوله خلقت الكذب ، معناه : قدّرته . واختلقت ، هو افتعال من الخلق ، فرجع إلى فائدته ، فلم صرت بأن تحمله على أن المراد به أنه كذب بأولى من حملنا إياه على أنه يفيد كونه مقدرا ، ويكون كونه كذبا ككونه محدثا وخبرا في أنه لا يجب أن يكون المستفاد بهذه الصفة ؟ .
فإن قال : إن وصفه بأنه مخلوق ، ولو أفاد كونه خبرا ، لوجب وصف كل خبر به كأخبار الرسول صلى اللّه عليه وغيرها ؛ ولو أفاد كونه مقدرا لوصف كل مقدر به ، فيجب أن يفيد فيه أنه كذب .
هامش
( 1 ) العنكبوت : 17
( 2 ) الصافات : 76