به أنه إفك وكذب ؛ لعلمنا أنه قد استعمل فيما يستحيل كونه كذبا من الأديم وغيره على ما قدمناه .
فإن قال : أفليس قال جل وعز
وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً
« 1 » ويراد به : يقولون كذبا . فهلا دل ذلك على ما قلته ؟ .
قيل له : إن المراد بذلك أنكم / تقدرونه ، لأن اللفظة متى أمكن حمل معناها في كل موضع على حقيقة واحدة ؛ فحملها على فوائد مختلفة ، أو على المجاز في موضع والحقيقة في موضع آخر ، لا يجوز .
ولا يجوز أن يكون المراد به أنه معمول ؛ لأن العمل هو الفعل . وقد بينا أن الساهي قد يعمل ويفعل ولا يوصف فعله بأنه مخلوق ؛ ولأن أهل اللغة قد وصفوا مقدّر الأديم بأنه خالق له ، والأديم بأنه مخلوق ، وإن لم يكن معمولا ؛ لأنه إنما يحصل معمولا له إذا قدّره وقطعه وعمله مزادة أو خفّا .
على أن هذا القسم لو سلم لهم لوجب أن يوصف القرآن بأنه مخلوق ؛ لأن اللّه تعالى قد فعله كما فعل سائر أفعاله . ومتى قال إن القرآن لا يوصف بأنه معمول له لزمه مثله في سائر أفعاله ، لأنه إن قال : إنه ينبئ عن أنه فعله بآلة وعلاج ؛ فلذلك لا يوصف به ، وجب مثله في سائر أفعاله . ولا يمكنه أن يقول إنه لا يوصف بذلك ، لأنه توهم كونه كذبا ، لأن ذلك لا يوهم إلا في أمر مخصوص ، وفيما عداه يجب حمله على ظاهره ، ولا يجوز أن يفاد به كونه مقدّرا في الأديم دون غيره كما يفيد البلق اجتماع السواد والبياض في الفرس دون غيره ، لأن اللفظة إذا استمرت في فائدة فالقول في أنها تفيد ذلك في جنس دون جنس لا يصح .
وقد ثبت / أنه جل وعز يوصف بأنه خالق للأشياء على الحقيقة ، وإن لم يكن
هامش
( 1 ) سورة العنكبوت : 17 .