فإن قال : أليس المسلمون لا يستجيزون إطلاق القول بأن الواحد منا خالق لا في جملة ولا تفصيل ، ويقولون في اللّه عز وجل : إنه خالق ، ولا خالق إلا اللّه ؛ فهلا دل ذلك على أنه المختص بهذه الصفة ؟ .
قيل له : القرآن وسائر ما ذكرناه يدفع ما قلته ، ولا يمتنع عندنا الإطلاق في بعض الألفاظ أن يخص به القديم تعالى ، وإن كان غيره في حكمه ؛ / ولذلك لا يقال في أحد من العباد : إنه رب بالإطلاق ، ولم يوجب ذلك ألا يكون ربّا لداره وعبده ، وكذلك لا يمتنع في جهة العرف الشرعي ألا يقال على الإطلاق لأحد إنه خالق إلا اللّه تعالى ، وإن لم يمتنع وصف غيره بأنه يخلق الأديم أو غيره على ما ذكرناه .
وبعد . فان صح هذا القسم لم يؤثر فيما نريد إثباته من وصف القرآن بأنه مخلوق ؛ لأن من جملة أفعاله جل وعز السماوات والأرضين ، فإذا صح وصف سائر أفعاله بذلك فكذلك ما قلناه .
فان قيل : إنما وصفهما بذلك بقوله
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
« 1 » من حيث صح فيهما التركيب والتأليف ، وذلك لا يتأتى في القرآن ، فكيف يقاس عليهما ؟
قيل له : إن المراد به أنه قدّر هما وأوجد هما على الوجه الّذي أرادهما ، وذلك قائم في القرآن .
وعلى هذا الوجه قال تعالى
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ
« 2 » يعنى قدرناه . وقال تعالى
فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ
« 3 » يعنى قدّرناكم . وهذا مطرد في الجميع فيجب أن يكون القرآن موصوفا بذلك إذا كان تعالى مقدرا له ، ولا يجوز أن يراد
هامش
( 1 ) الأنعام : 1 .
( 2 ) المؤمنون : 12 .
( 3 ) الحج : 5 .