فإن قيل : أفليس قد قال تعالى
أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ
« 1 » فنبه بذلك على أنه يختص بهذه الصفة دون غيره ؟ .
قيل له : إن المراد بذلك أن إثباته مستحقا للعبادة ، من حيث يخلق وينعم ، كأنه يستحق ذلك دون الأصنام التي لا يصح منها الخلق . ولا يدل ظاهره على ما قالوه ؛ لأنه ليس في ظاهره ما يدل على أنه يخلق فقط دون غيره . وإنما نبه أن من يخلق ليس كمن لا يخلق ، فيجب إذن أن يتأوّل على ما قلناه ، وأن لا يعدل عن ظاهر ما قدّمناه من قوله :
فَتَبارَكَ / اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
« 2 » مع كونه نصا إلى ذلك مع كونه محتملا ؛ ولأنه تعالى قال :
وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي
« 3 » فوصفه جل وعز بأنه يخلق الطين من حيث كان يقدّره .
فإن قيل : فقد قال سبحانه
وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي
« 4 » ،
وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي
« 5 » ثم لم يدل ذلك على أنه كان يفعل ذلك في الحقيقة ؛ بل أضيف ذلك إليه على جهة المجاز . فهلا جوزتم مثله في إضافة الخلق إليه ؟ .
قيل له : لا يجب العدول عن ظاهره من حيث أوجب الدليل العدول عن غيره ، مع فقد الدلالة . وقد دل الدليل على أنه عليه السلام لا يقدر على إبراء الأكمه وإحياء الموتى ، فصرفنا الكلام إلى أنه أريد به أنه يفعل من الدعاء ما عنده يحصل إبراء الأكمه وإحياء الموتى ، وهو قادر على تصوير الطير ، فلا مانع يمنع من حمل ذلك على ظاهره . وقوله تعالى
وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً
« 6 » يدل أيضا على أن العبد يخلق أيضا .
هامش
( 1 ) النحل : 17 .
( 2 ) المؤمنون : 14 .
( 3 ) المائدة : 110 .
( 4 ) المائدة : 110 .
( 5 ) المائدة : 110 .
( 6 ) العنكبوت : 17 .