ولا يجوز أن يفيد كونه مخترعا ؛ لأن الساهي ومن يفعل ما لا يخطر له على بال [ لا « 1 » ] يكون مخترعا ، ولا يسمى خالقا ، ولأن أهل اللغة وصفوا الإنسان بأنه يخلق الأديم ، وإن لم يصح منه اختراعه . وقال الشاعر :
[ ولأنت تفرى ما خلقت « 1 » ] وبع * ض القوم يخلق ثمّ لا يفرى
يريد يقدّر ثم لا يقطع . فإذا كان القطع يتعلق بالأديم ، فيجب أن يكون الخلق متعلقا به أيضا . ولا يجوز أن يراد به أنه مخترع من فعل اللّه ، لأنهم قد وصفوا الإنسان بأنه يخلق الأديم وغير ذلك ، ووصفوه بأنه خالق ، على ما قدّمناه ؛ ولأن الاسم يوجد أولا من الشاهد ؛ إما فيما يعلمونه أو يعتقدونه ، ثم يجرى على الغائب .
فلا يصح أن يقال : إن أفعاله سبحانه تخص بذلك على الحقيقة . واستعملوه في الشاهد مجازا ؛ لأنهم قد علموا الأمور المقدرة ووصفوا فاعلها بأنه خالق ، ووصفوها بأنها مخلوقة ، فيجب أن تكون أفعاله مبنية على ذلك ، ولأنه جل وعز قال :
فَتَبارَكَ اللَّهُ / أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
« 2 » فلو كان هو الخالق فقط لما جاز أن يقول ذلك ، كما لا يجوز أن يقول : فتبارك اللّه أحسن الآلهة . وهذا كما يقال : أرحم الراحمين ، وأعدل العادلين ، وأنعم المنعمين ؛ من حيث كان غيره مستحقا لهذه التسمية .
وما قاله عبّاد من أن المراد به فتبارك اللّه أحسن الخالق ، والياء والنون صلة ، فجهالة لا يرتضى بها عاقل ؛ لأن ذلك علامة الجمع ، فكيف يحمل على أنه صلة ! .
فإن قيل : أليس قد قال اللّه تعالى :
هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ
« 3 » فنفى كون خالق غيره ، فهلا دل ذلك على أنه مختص بهذه الصفة دون غيره ؟ .
قيل له : إنما نفى كون خالق غيره يرزق من السماء والأرض ، وإن رزق من غير هما ، وكذلك يقول .
هامش
( 1 ) ما بين القوسين المعكوفين زيادة .
( 2 ) المؤمنون : 14 .
( 3 ) فاطر : 3 .