فصل في وصف القرآن وسائر كلام اللّه تعالى بأنه مخلوق وما يتصل بذلك
/ قد بينا فيما تقدم أن كلامه تعالى محدث ، وأنه فعله لمصالح العباد ، فإذا صح ذلك وثبت أنه تعالى أحدثه مقدرا ، لأنه تعالى ممن يستحيل أن يفعل الشيء على سبيل السهو ، فلا بد من أن يكون قاصدا إليه وموجدا له ؛ على الوجه الّذي تكون عليه مصلحة ودلالة . وإذا ثبت ذلك وجب أن يجرى مجرى سائر أفعاله . وإذا كانت توصف بأنها مخلوقة فكذلك القول في القرآن ؛ لأن الوجه الّذي وصفت أفعاله أجمع بأنها مخلوقة لأجله هو كونها واقعة على سبيل التقدير . والقرآن بهذه الصفة ، فيجب أن يوصف بأنه مخلوق .
فإن قيل : ولم قلتم إن وصف الشيء بأنه مخلوق يفيد ما ذكرتموه ؛ أتقولون إنه يفيد ذلك من جهة اللغة أو من جهة الدين ؟ فإن قلتم من جهة اللغة لم يصح لأنهم لم يتعارفوا استعمال ذلك في جميع الأمور المقدّرة ، ولذلك يصفون الرجل بأنه خلق داره وخلق الكتابة والصباغة ، وإنما ورد استعماله في تقدير الأديم فقط .
وإن قلتم بذلك من جهة الدين فبيّنوه ؛ لأن الأسماء الشرعية يحتاج في إثباتها إلى دلالة تدل على كونها منقولة .
وبعد ، فمن أين لكم أن هذا الاسم يفيد ؟ وهلا جوّزتم كونه لقبا فلا يصح أن يعدّى به موضعه ؟ .