وقوله تعالى :
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ
« 1 » معناه الأمارة عليه في اللوح . كما يقال : القرآن في صدر فلان . ومعناه أن العلم به في صدر فلان .
فإذا جاز أن يقال الشيطان :
يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ
« 2 » من حيث حصل العلم بوسوسته في الصدور ، فكذلك لا يمتنع ما قلناه . وإذا جاز أن يحكى جل وعز فيقول :
قالَ مُوسى : يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ
« 3 »
وَقالَ فِرْعَوْنُ : يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي
« 4 » وإن كان قولهم بالعبرانية ، لما أخبر عما تكلموا به ، فكيف لا يصح أن يقال : إن القرآن في اللوح المحفوظ ، وإن ما يتلوه فلان هو كلام اللّه عز وجل ويراد به ما ذكرناه ، ولا يجب إذا قلنا إن الحاكي قد فعل كلاما أن يكون أمرا بما كان من ذلك أمرا ، لأن الأمر والخبر إنما يحصلان كذلك بالقصد والإرادة ، فإذا لم يقصد الحاكي ذلك لم يجب كون كلامه أمرا ؟ .
فإن قيل : خبرونا لو أن إنسانا قرأ شتيمة بعض الناس من كتاب ؛ من يكون الشاتم ، هو أم الكاتب ؟
فإن قلتم : هو ، لم يصح . وإن قلتم : الّذي ابتدأ بالكتابة ، فقد جعلتم مع الكتابة كلاما .
قيل له : إن مثل الخبر قد يوجد ولا يكون خبرا ، فالقارئ من كتاب غيره الشتم إذا لم يقصد لا يكون مخبرا ، ولا يجب كونه مذموما . وإن ذم عليه إذا كان قبيحا من حيث يتأذّى المشتوم أو غيره بإظهاره / ، ويقول : إن الكاتب هو الشاتم ، بمعنى أنه قد فعل ما إذا حكى كان شتيمة ، وفعل أمارة الشتيمة .
على أن ذلك يرجع عليهم في النقش على الساجة إذا نحت منها ما يبقى لأجله ما هو شكل الحروف ، لأنه ليس هناك أمر حادث . فمتى قالوا : إنه من حيث
هامش
( 1 ) البروج : 21 .
( 2 ) سورة الناس : 6 .
( 3 ) الأعراف : 104 .
( 4 ) القصص : 38 .