فإذا صح ذلك لم يجب ، إذا أمكن الحاكي أن يفعل مثل كلام المحكى ، أن يمكنه أن يأتي بمثله على الوجه الّذي وقع عليه التحدي والتقريع . والواحد منا يمكنه أن يأتي بالحروف ويقدر على جنسها ولا يمكنه أن ينظمها شعرا ، وإن أمكنه أن يحكى الشعر . وكل ذلك يبين أن التحدي يصح على قولنا ، وأن صحته على قولنا أبين .
وقد ألزمناهم القول بألا يكون القرآن كلاما للّه أصلا ، وهذا بأن يبطل معنى التحدي أولى .
واعلم أن الحفظ هو العلم بكيفية وصف الكلام وترتيبه ، يبين ذلك أن من علم ذلك حصل حافظا ، ومن لم يعلمه لم يحصل حافظا . وإنما سمى حفظا لأنه يمكنه مع ذلك أداء ما علمه على الوجه الّذي علمه ، ولذلك لا يسمى / العلم بالأشخاص وما شاكلها حفظا ، لما لم يصح هذا المعنى فيه . وإنما يمكنه أداء المحفوظ على على هذا الوجه من حيث علمه . ولذلك قلنا : إن إثبات كلام مع الحفظ لا وجه له ، لأن العلم إذا انفرد وآلات الكلام سليمة يمكنه أن يأتي بالكلام . فإذا صح ذلك فيجب أن يمكنه ذلك ، وإن لم يحصل في قلبه كلام ، وأن يبطل لذلك ما قالوه .
وكذلك إذا علم الإنسان الأمارة التي جعلت كتابة وكيفية المواضعة عليها أمكنه أن يقرأ منه الكلام إذا كانت الآلة سليمة ، وان لم يكن هناك كلام ، فكيف يصح مع ذلك إثبات كلام له ؟ .
فإن قال : فعلى أي وجه يحصل الإنسان عندكم حاكيا لكلام غيره ؟ .
قيل له : لا يجوز كونه حاكيا إلا وهو قاصد إلى أن يحتذى على كلامه ؛ لأنه إن لم يقصد ذلك لم يكن بأن يكون حاكيا لكلامه أولى من أن يكون حاكيا لكلام غيره .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 204
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٠٤