وسابعها : أن الكتابة لو كان معها كلام لوجب ألا يحصل مفيدا إلا على الحدّ الّذي يحصل مع الصوت ، وقد علمنا أنه لا يفيد ذلك دون أن يكون مرتبا في الحدوث على وجه مخصوص ، حتى تكون « الميم » من « بسم » مؤخرا عن السين ، والسين عن الباء ، وقد علمنا أن الأمر في الكتابة بخلافه ، لأنه لو كتبه معكوسا لأفاد القارئ / مثل ما يفيده إذا كتبه مرتبا .
وكذلك لو وضع الرسم على الجسم اللين لحدثت الكتابة في وقت واحد ، ومع ذلك يفيد ويقرأ ؛ على حدّ ما يفيده ما حدث على ترتيب الحروف المسموعة ، وكل ذلك يبين أنه أمارة للكلام فعلى أي وجه وجد أمكن أن يعلم به ما هو أمارة عليه ، وأنه ليس بكلام في الحقيقة .
وثامنها : أن الكلام المسموع منا يحتاج إلى بنية مخصوصة ، كما يحتاج إلى محل .
وكل حرف منه يحتاج إلى بنية ومخرج بخلاف ما يحتاج إليه الحرف الآخر ، ولذلك يتعذر على الألثغ والتمتام بعض الحروف دون بعض ، ولذلك انقسمت الحروف على مخارج مختلفة ؛ ففيه ما هو من حروف الحلق ، وفيه ما هو من حروف الشفة .
فإذا صح ذلك فلو وجد الكلام مكتوبا مع الكتاب لاحتاجت الحروف المختلفة منه إلى أبنية مختلفة ، كهو إذا كان مسموعا . وقد وجدنا الأمر خلافه ، لأن ما تحتاج إليه الراء مثل ما تحتاج إليه الزاي ، وكذلك الصاد والضاد ، والسين والشين . وكان يجب ألا يحتاج منه الحرف إلى بنية مختلفة . وقد علمنا أن الراء في كتابة قد تكون محتاجة إلى خلاف ما تحتاج إليه في كتابة أخرى ، ولذلك تختلف صيغ الكتابات .
وكل ذلك يبين أن الكتابة أمارة للكلام / فأما أن يوجد بها الكلام فلا .
ولهذا يصح من كل أحد أن يواضع صاحبه على ترجمة في الكتابة يجعلها أمارة لما يريد تعريفه ، ولو كان ذلك لوجب إذا واضع صاحبه على أنه
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 198
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٩٨