وكذلك إن قال : إنه يتولد عند آخره . فإن قال : يتولد عن الجميع ، فهذا يوجب ما قدّمناه من الأصل الفاسد .
وإن قال : إن الأوّل والآخر يولد بشرط وجود ما بعده ؛ فهذا لا يصح في الأسباب ، لأن وجود أمثال السبب من قبل أو بعد لا يوجب كون السبب مولدا . وإن قال : إن أوّله يولد ويوجد معه ؛ لكنه لا بدّ من وجود ما بعده ليكون أمارة .
قيل له : فهلا جاز كونه في الأصل أمارة ، وأن يمكن القراءة منه على هذا الوجه ؟ . وهلا تبينت فيما فزعت إليه فساد القول بأن مع الكتابة كلاما ؟ .
وسادسها : أن الكتابة لو حصل معها كلام لوجب أن تكون حادثة ليكون الكلام متولدا عنها من فعله إذا كتب ابتداء ، ويكون من فعل غيره إذا أورده على جهة الاحتذاء . وقد علمنا أن ألواح القبور وما يجرى مجراها مما ينحت منه الحشو وتبقى منه الحروف على ما كان وقع ذلك ؛ فسبيله سبيل الحروف الحادثة في الكتابة ، في أنه يقرأ منه ويتمكن معه من ذلك ، فيجب أن يكون معه كلام .
وهذا لا يصح ، لأنه ليس هناك أمر حادث . أو إن لم يكن معه كلام ، وكان أمارة على الكلام وجب مثله في كل كتابة ، لأن سائر ما يعتل به في الكتابة قائم فيه .
فإذا وجب كون ذلك أمارة فكذلك القول في ذاك .
وقد قال : كان يجب متى سوّد من اللوح مقدار ما يكون الباقي من بياضه على صورة الكتابة أن يكون قد فعل كتابة . وقد علم بطلان ذلك ، لأن الكتابة منه ليست حادثة .
وقد قال : كان يجب إذا اسود اللوح أن تكون الكتابة قد حصلت ؛ لأنه قد فعل في أثناء ذلك ما لو انفرد لكان كتابة . وكان يجب أن يكون كل إنسان
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 196
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٩٦