فإن قال : إن الكلام يسمع بشرط أن يفارق الصوت ، ولذلك لا يسمع بعينه مكتوبا ومحفوظا .
قيل له : إن إدراك الشيء يتناوله على ما هو عليه لنفسه ، فلا يصح أن تشرط / فيه مقارنة غيره له .
ولا فرق بين من قال ذلك وبين من قال إن الجوهر مدرك بشرط مقارنة اللون ، أو اللون بشرط حلوله في الجوهر . وإنما نقول : إن المدرك لا يدرك إلا بشرط أن يكون موجودا ؛ لأن عدمه يمنع من إدراكه من حيث يخرجه عن الحال التي لاختصاصه بها يدرك .
وليس كذلك حاله مع ما يقارنه ، لأن مقارنته له وفقد مقارنته سواء ، في أن ما هو عليه في نفسه لا يتغير . وهذا يبطل وجود الكلام مع الكتابة والحفظ ، وبطلان ذلك يقتضي صحة ما قلناه .
وثالثها : أن السبب قد ثبت أنه يولد المسبب لما هو عليه من حاله ، ولا تتغير حاله في أصل التوليد وكيفيته بالقصد والاختيار والعلم ، ولو تغيرت حاله بالقصود لخرج من كونه سببا موجبا ؛ ولصح بعد وقوع السبب الأمر به والنهى عنه ، كما يصح قبله . فإذا ثبت ذلك وعلم أنّ من تكلم ابتداء بقوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ . الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
« 1 » مفترقا أو مجتمعا ، فما يسمع منه هو فعله وكلامه ، فكذلك إذا قصد به حكاية كلام اللّه جل وعز .
وليس له أن يقول : إنه قد وجد عند الحكاية كلامه وكلام اللّه تعالى ، لأنا نعلم أن حال ما نسمعه منه ، وقد قصد الحكاية ، كحاله ولما قصد . وقد علمنا
هامش
( 1 ) الفاتحة : 1 ، 2 .