وعلى هذه الطريقة كانت العرب يتحدّى بعضها بعضا في الشعر والخطب ، لأن كل واحد كان يمكنه أن يأتي بنفس ما قاله صاحبه على جهة الاحتذاء . فعلم أن مقصدهم ما قدّمناه .
ومعلوم من حال القارئ لكلام اللّه ؛ أنه وإن كان فاعلا لمثله أنه لا يمكنه أن يأتي بمثله في فصاحته وبلاغته على جهة الابتداء ، فقد وقع التحدّى موقعه وظهر صحة الاستدلال به على النبوّة على هذا القول .
وإنما يقال : إن القرآن حسن ليس بقبيح ، يعنى بذلك أن نفس ما أنزله تعالى على رسوله صلى اللّه / عليه وآله بهذه الصفة ؛ ولا يمتنع مع ذلك أن يختلف التعبد بتلاوته ، فتقبح تلاوته في بعض الأحوال ، ولا يكون ذلك ناقضا لما قلناه أوّلا ؛ لأن مثل الحسن قد يقبح في بعض الأوقات .
فقد صح بهذه الجملة أن ما اعتمد عليه الشيوخ رحمهم اللّه - أبو الهذيل ، وأبو علي ، ومن تبعهما - لا يصح . وإذا بطل ذلك بطل القول ببقاء الكلام وصحة وجوده في أماكن .
فأما الّذي كان يقوله شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه ، وكان يذهب إليه الجعفران ومن تبعهما ، وبه يقول أبو جعفر الإسكافى ، فهو أن القارئ لا يسمع منه إلا ما فعله ، والقراءة هي المقروء ، والكلام هو الصوت الواقع على وجه . وكذلك القول فيمن ينشد بعض شعر امرئ القيس ، ويحيل وجود الكلام في أماكن ؛ لأنه الصوت ، فأما الكتابة فعنده أنها أمارة للكلام .
فأما أن تكون كلاما في الحقيقة فمحال ، وكذلك الحفظ إنما هو العلم بكيفية الكلام ونظمه ، فلذلك يتمكن من أن يأتي بما حفظه ، وأن يقرأ المكتوب إذا كان عالما بالمواضعة ، ويقول في الكلام : إنه لا يبقى كالإرادة .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 191
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٩١