والّذي استدل به على ذلك أدلة ، أوّلها :
أنه قد ثبت أن الكلام هو الصوت في الحقيقة إذا وقع على بعض الوجوه ، ولذلك يستحيل أن يأتي بأصوات مقطعة ضربا من التقطيع والنظام ، فلا تكون كلاما ، أو تكون كلاما وإن لم تكن أصواتا مقطعة . ولو كان الكلام غيره كان لا يمتنع وجوده / على بعض الوجوه . مع عدم الأصوات المقطعة ، أو وجودها على بعض الوجوه مع عدم الكلام ، لأن ذلك واجب في كل معنيين غيرين ، وإلا أدّى إلى ألا يكون بين الغيرين والشيء الواحد فصل . فإذا ثبت بذلك أنه الصوت بعينه لم يصح سائر ما بنوه عليه في الكتابة والحفظ .
فإن قال : إني أفصل بين الأمرين بأن طيب الصوت وصفاء الحنجرة يتبين في الصوت دون الكلام . فعلمت أن أحدهما غير الآخر .
قيل له : إن نفس الحروف إذا كان مخرجها مخصوصا يوصف بالصفاء والطيب ، لا أن ذلك يرجع إلى الصوت دون الحروف . وكما يقال : إن صوته طيب ، فقد يقال : إن كلامه رقيق ، وإنه غليظ الكلام . ولا اعتبار في ذلك بالأقوال ، وإنما تعتبر المعاني . وقد علمنا أن من جهة المعنى لا يختلف حكم الحروف والصوت في هذه القضية .
فإن قال : إن الأصوات جنس واحد ، والحروف تختلف فيجب تغاير هما .
قيل له : إن قولك في الأصوات إنها جنس واحد في أنه متنازع فيه مثل هذه المسألة ، فكيف يمكنك أن تعول عليه ، وحكم الأصوات والحروف في الاختلاف سواء ؟ فالتعلق بذلك لا يصح ، لأن عند شيخنا أبى هاشم الصوتان
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 192
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٩٢