تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
لغيره
يا نُوحُ
« 1 » يكون فاعلا لحروف ، فيجب أن يكون هو وإن قصد إلى أن يحكى كلام غيره أن يكون فاعلا له ، فاعتقد لهذا أنه يوجد من فعله حرف ، ومن فعل المحكىّ كلامه حرف ، وأنه قد وجد مع كلام اللّه كلامه . وهذا ينقض سائر ما اعتل به لقوله الأوّل ، لأنه قد فعل مثل كلام اللّه على جهة الابتداء مع كلام اللّه ، وإن تعذر عليه فعل مثله في الفصاحة والبلاغة . وقد سمع منه عند التلاوة كلام اللّه وكلام له من جنسه . وهذا خلاف الإجماع أيضا ، لأنهم اتفقوا أن كل ما سمع من التالي كلام اللّه ، ولأنه قد قبح منه في حال الجنابة لو قرأ القرآن ما هو مثله ، ولا يميز بينه وبينه . ولأنه قد أمكنه أن يأتي بمثل ما يحكيه ، ولم يبطل التحدّى . فقد صح أن مذهبه الثاني ينقض كل ما اعتمده في القول الأوّل ، وإذا بطل ذلك وكان إنما بنى الثاني على الأوّل فيجب إبطالهما جميعا ، فإذا بطل ذلك بطل القول بأن الكلام يبقى ، وأنه يوجد في الأماكن ، لأنه بنى ذلك على ما بيّنا بطلانه . على أن الّذي اعتمده من أن من فعل شيئا يأتي منه فعل مثله / فغلط ، وذلك أن الفاعل قد يفعل الشيء على وجه الاحتذاء ، وإن لم يتمكن من فعل مثله على وجه الابتداء . اعتبر ذلك بالفصاحة والصناعة وغيرهما ، لأن من ينسج الديباج قد ينسجه بأمر غيره وتعليمه ، ولا يتمكن من فعل مثله ، وكذلك الثاني . وإنما يجب ما قاله فيما يفعله على جهة الابتداء من الأمور التي تحتاج إلى علم وقصد ، فيجب ألا يصح تعلقه به . وبعد . فإن ذلك يوجب ألا يكون المتكلم منا فاعلا للكلام بالعربية ، لأنه محتذى على كلام العرب ، ولولا تقدّم ذلك ومعرفته به لما أمكنه أن يأتي به
هامش
( 1 ) سورة هود : الآيات 32 ، 46 ، 48
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 189 | القاضي عبد الجبار الهمذاني