قيل له : إنما قلنا إن كلامه لا يحسن إلا وهو مفيد على الحد الّذي ذكرناه ، ولم نقل بأن كل ما أفاد من كلامه فيجب أن يكون حسنا ، فكيف يصح أن تعترض كلامنا بما ذكرته . وهذا كما نقول : أنه لا يحسن منه تعالى أن يفعل الكلام وغيره إلا وهناك حي يصح أن ينتفع به . ثم لا يجب أن يحسن منه كلّ فعل على كل وصف إذا كان هناك حي ؛ لأنا إنما ننبه بذلك على حصول الغرض في كلامه ، وأنه يخرج بذلك من كونه عبثا ، ثم لا بد مع ذلك من انتفاء سائر وجوه القبح عنه ، فلهذا لا يحسن من كلامه ما سألت عنه .
وبعد . فلو أثبتنا في كلامه « 1 » الكذب أو الأمر بالقبيح لصار كل كلامه غير مفيد وغير موثوق بصحته ، فيعود الأمر فيه إلى أن جميعه غير مفيد ، ويقتضي كون جميعه « 2 » عبثا ، وذلك يسقط ما سألت عنه .
ولهذه الجملة أبطلنا قول من قال : إنه تعالى خلق الذّكر قبل كل شيء ، لأنه إذا لم يكن هناك من ينتفع بالذكر كان خلقه له عبثا ، وتأوّلنا قوله صلى اللّه عليه :
« كان اللّه ولا شيء ثمّ خلق الذّكر » . على أنه أراد ثم خلق الذكر ، وقد خلق معه أو قبله من ينتفع بالذكر .
ولهذا أبطلنا ما يرويه / كثير من أهل الحديث أنه تعالى يفنى العالم ثم يقول :
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
« 3 » . لأن هذا القول لا يحسن لفقد من يعتبر به ويستفيد . وأبطلنا قولهم : إنه إذا أفاد بخبره أنه يفعل ذلك ويقوله ، فقد خرج من حدّ العبث بأن قلنا : إن الشيء يجب أن تكون فيه فائدة سوى ما يقع من الفائدة بالإخبار عنه ، لأن الخبر يتعلق بالشيء على ما هو به ، ولا يكسبه حكما من حسن أو قبح أو غيرهما ، كالعلم والدلالة . وهذه جملة تنبه على طريقة القول في هذا الباب .
هامش
( 1 ) في الأصل : « في كلامنا » .
( 2 ) في الأصل : « جميعا »
( 3 ) سورة غافر : آية 16 .