ولا جنس الكلام وصيغته تدل على ذلك . فلا بد من تقدم مواضعة يرتب كلامه تعالى عليها ليصح أن يستدل على مراده بكلامه ؛ لأنه إذا علم أنه حكيم لا يجوز أن يفعل الكلام على وجه يقبح عليه ، ولو لم يفد بالكلام المكلف ، لكان قبيحا ، فلا بد من كون كلامه مفيدا . فإذا لم يصح أن تعرف فائدته إلا بأن يرتب على مواضعة متقدمة / وجب القطع على أنه تعالى أراد بكلامه ما تقتضيه تلك المواضعة .
وقد بيّنا من قبل أن حكمه تعالى في هذا الباب يفارق حكم المتكلم منا لأمرين : أحدهما . أن أحدنا يضم إلى كلامه إشارات تعلم عندها مقاصده .
والثاني : أنه من حيث علم ذاته باضطرار صح أن يعلم مراده باضطرار ، وذلك يستحيل فيه تعالى . فيجب إذن ألا يصح أن يبتدئ لغة يكلمنا بها ، وإن صح من أحدنا أن يواضع غيره على لغة مبتدأة ؛ ولذلك أبطلنا قول من قال في اللغات كلها : إنها توقيف ، وقطعنا على أنه لا بد من كون واحدة منها واقعة « 1 » بالمواضعة ؛ ليصح عند ذلك منه تعالى أن يعرفنا بتلك اللغة سائر اللغات وسائر المعاني . وقد بينا جملة من ذلك من قبل فلا وجه لإعادته . فقد صح بهذه الجملة أن كلامه تعالى لا يحسن إلا على هذا الوجه ، فمتى خاطب بلغة متقدّمة ، وأفاد بأنه ما تواضع أهل تلك اللغة عليه ، عرفنا بكلامه ما نحتاج إليه من مصالح ديننا ، فحصل كلامه مفيدا ، وكذلك إذا وقف تعالى على اللغات ، ثم خاطبنا بها فإنا نستفيد بخطابه مراده على الوجه الّذي ذكرناه .
فإن قيل : فيجب على ما ذكرتم أن يحسن منه تعالى كل كلام مفيد . وهذا إن / قلتموه لزمكم أن يحسن منه سائر ضروب الكلام ؛ من الكذب ، والأمر بالقبيح ، وما يقع به فساد المكلف ، إلى غير ذلك مما يطول ذكره .
هامش
( 1 ) في الأصل : « واقعا » .