فصل في الوجه الّذي يحسن عليه كلامه جلّ وعزّ
اعلم أنه لا بد من لغة متقدمة قد تواضع عليها بعض العقلاء ؛ حتى يحسن منه تعالى الكلام ، لأنه لا يصح أن يفعل الكلام لغرض يرجع إليه ، لأن الانتفاع الّذي يقع للمتكلم منا بكلامه ؛ إما أن يكون اجتلاب منفعة أو دفع مضرة ، طلبا لحفظ ما نتلوه من الكلام ، أو تحفظا من النسيان بتلاوته ، أو توطينا للنفس على فعل ما يقتضي الكلام . وكل ذلك يستحيل عليه تعالى . فإذن يجب أن يفعل الكلام لفائدة ترجع إلى غيره . وقد علم أن الكلام لا يحسن من الحكيم فعله من غير أن يفيد به أمرا ما ، لأنه متى كان هذا حاله / لم يكن بينه وبين التصويت فصل ، ولم يكن بين ما وقعت المواضعة عليه وبين المهمل فرق ، ولم يكن لجعل بعضه أمرا وبعضه نهيا وبعضه خبرا فائدة ، ولم يكن بأن يكلم العرب بلغتها أولى من أن يكلمها بالزنجية . وبطلان ذلك أجمع يبين أنه يحسن منه فعل الكلام ليفيد به المخاطب والمكلف ما يحتاج إليه .
وقد علم أن القديم تعالى ممن لا يصح أن يضطر إلى مراده مع التكليف ؛ لأن العلم بذاته إذا وجب كونه مكتسبا فالعلم بإرادته ؛ بأن يجب ذلك فيه ، مع أنه فرع على العلم بذاته ، أولى .
ولا يمكن أن يقال : إنه تعالى يخاطب المكلف ، ويضطره إلى العلم بمراده ؛ لأن ذلك يمتنع في حال التكليف .
فلم يبق إلا أن يعرف مراده بكلامه باكتساب ، ولا بد من إثبات طريق ، يستدل به على مراده بكلامه معقول . وقد علم أن أفعاله لا تدل على مراده بكلامه ،