تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠

فصل في بيان طريق معرفة كلامه جلّ وعز

اعلم أن الكلام مما يقدر العباد على مثله ، فسبيله سبيل الحركات وغيرها ، وكل ما يقدر العباد على مثله فوجود جنسه لا يدل على أنه من فعل اللّه تعالى ؛ لتجويز كونه من فعل غيره ، ويفارق ما لا يوصف العباد بالقدرة عليه ، كالجواهر والألوان ؛ لأن جنس ذلك يدل على أنه من فعل اللّه عز وجل . فإذا صح ذلك فلا بد من أن يراعى ، فيما نعلمه كلام اللّه تعالى ، وقوعه على وجه لا يصح أن يقع من العباد عليه أو يتعذر الآن وقوعه / منهم ، وهذه حالهم . وقد علمنا أن الكلام خاصة مما تختلف طرائقه في البلاغة والفصاحة ، وأن الّذي يقتضي فيه كونه كذلك علم فاعله ، وقد جرت العادة بأنه لا يحصل في العرب الذين هم الأصل في الفصاحة من العلم به إلا القدر الّذي لا يبلغ حدّ القرآن في البلاغة ، ولا يقاربه . فإذا صح ذلك بالعادة ، وقد علم أنّ هاهنا كلاما خارجا عن هذه الطريقة في البلاغة والفصاحة ، وأنه قد بلغ في ذلك حدّا لا يصح منهم مقاربته ، فالواجب أن نعلم أنه ليس من فعل العرب . وإذا ادّعى عند حدوثه من ظهر على يده النبوّة ، وقال : إنه من جهة اللّه تعالى . وقد علمنا - بظهور ذلك عليه - صدقه من حيث ظهر عليه ما ينقض العادة ؛ إما من الكلام أو من العلم الّذي معه يصح أن يفعل هذا القدر من البلاغة ، فالواجب أن يقطع بصحة ما قاله ، ويعلم أن هذا الكلام من فعله تعالى ، أو ينبئ عن كلام مثله هو من فعله ، وأيهما كان فقد علم به كونه تعالى متكلما .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 180 | القاضي عبد الجبار الهمذاني