من حيث كان يفعل ما يوجب المدح ، نحو كونه محسنا ومتفضلا . وكونه متكلما من القبيل الثاني ، ولذلك كلم واحدا دون آخر ، وتكلم بضرب من الكلام دون غيره ، وعلى وجه مخصوص دون غيره ، وكل ذلك يبين أنه من القبيل الثاني دون القبيل الأوّل .
وقد بينا أن الكلام يجوز وجوده في الجماد ، وأنه من جنس الصوت الّذي يختص المحل ، وهذا يبين أنه مما لا يختص الحي ، ولا يوجب له حالا ، وإنما يضاف على طريق الفعلية .
شبهة تاسعة :
قالوا : إن هذه العبارات التي نفعلها تنبئ عن معنى في النفس لولاه لما صح منا وجودها ، وذلك المعنى هو الكلام في الحقيقة ، ولا بد من أن يوجب كون الواحد منا متكلما كإيجاب العلم في كونه عالما . وإذ صح ذلك - وكان انتفاء ذلك المعنى عن الواحد منا في أنه يوجب فيه آفة ونقصا بمنزلة انتفاء العلم ، وكانت العبارات قد دلت على ذلك المعنى كدلالة الفعل المحكم على كونه عالما - فكما يجب كونه / عالما فيما لم يزل من حيث اقتضى الفعل المحكم كونه كذلك ، فكذلك يجب كونه متكلما فيما لم يزل ؛ لأن هذه العبارات قد اقتضت كونه كذلك .
وهذا مما بينا فساده ؛ لأنا قد دللنا على أنه لا يصح إثبات معنى في النفس يسمى كلاما ، وبينا أن المعنى الّذي يسيرون إليه هو العلم بكيفية الكلام أو الفكر فيه أو القصد إلى إيجاده ، وبسطنا القول فيه . وبينا أنه لا حال تعقل للمتكلم بالكلام ، وأن إضافته إليه من حيث أوجده بحسب قصده وإرادته ، وذلك يبطل ما ذكروه . وبينا أيضا أنه لا فعل يقتضي كونه متكلما ، وإنما يعلم كونه كذلك لوجود الكلام من جهته وبحسب أحواله ، وكل ذلك يبين فساد ما ذكروه .