ثم يقال له : إن القائل قد يقول : إن اللّه قد أمر بالقول والفعل ، ونقول دائما : إن الإيمان قول وعمل ، وإن كان القول داخلا في العمل ، لكنه أفرد لغرض . فهلّا جاز مثله في قوله تعالى :
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
« 1 » .
وبعد . فقد بيّنا أن القول بأن له الأمر لا يكون له معنى إلا إذا أريد به أنه فعله وأحدثه ، على ما قدّمنا القول فيه . وهذا بعينه يوجب كونه مخلوقا .
وبعد . فمن أين لك أن قوله :
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
« 1 » المراد به الأمر الّذي هو القول ، مع علمك بصحة استعمال ذلك في الأفعال ، كقوله :
وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ
« 2 » إلى ما شاكله ؟ .
على أنه تعالى قد بين حدوث الأمر في آي كثيرة بقوله :
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ
« 3 » وقال تعالى :
ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ
« 4 » .
وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا
« 5 » .
وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً
« 6 » فهلا استدللت بهذا على أن مراده بقوله :
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
« 7 » ما ذكرناه من أنه بين أن له أن يخلق ، ولا اعتراض عليه ، وأن يأمر بالمصالح ، ولا ينازع فيه / ، وأنه يفعل من ذلك ما يشاء بقدر صلاحه لهم ؟ .
ولا يمنع أن يفرد الشيء عن الجملة الواقعة عليه وعلى غيره على وجه التفخيم لشأنه والتعظيم لقدره ، كإفراد اللّه تعالى جبريل وميكائيل عن الملائكة في قوله :
مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ
« 8 » ولما كان الأمر في باب النفع والتأثير أعلى شأنا وأعظم محلا من سائر ما يخلقه . جاز أن يفرده عنه على هذا الوجه .
هامش
( 1 ) الأعراف : 54
( 2 ) هود : 97
( 3 ) السجدة : 5
( 4 ) الطلاق : 5
( 5 ) النساء : 4
( 6 ) الأحزاب : 38
( 7 ) الأعراف : 54
( 8 ) البقرة : 98