تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
عند قوله « كن » لا أنه يفعلها بها ، ولا يلزم ما ذكرتم ؛ وذلك لأنه إذا لم يكن لما يحدثه تعلّق بكن على وجه ، فإثباته « 1 » محدثا للأشياء به محال . وبعد . فلا يخلو هذا السائل من أن يثبت « كن » قديمة ، كقولهم ، أو يثبتها محدثة ، ويقول : إنه تعالى يفعلها قبل ما يفعل الأشياء لضرب من المصلحة . فإن قال بالأوّل لزمه أن تكون / الأشياء بكن ، فإن لحقها بمنزلة قدرته وإرادته فيبطل « 2 » بما دللنا به على فساد القول بأن كلامه قديم . وإن أراد الوجه الثاني فليس يخلو من أن يقول : إنه تعالى عند كل أمر يحدثه يقول : « كن » . فإن قال بذلك لزمه إضافة العبث والفساد إليه ؛ لأنه في ابتداء ما خلق ليس هناك من يعتبر بقوله : « كن » فيقال إن فيه مصلحة أو دلالة . وإن قال يفعل ذلك عند بعض ما يحدثه دون بعض ، فقد عدل عن ظاهر الآية . ولا سبيل له إلى التخلص من قول من قال : إنه يحدث الأشياء كلها من غير هذا القول ، وإنّ تأويل الآية ما قدّمناه . والقول بأنه اعتبار للملائكة أو دلالة على ما يحدثه تعالى إنما كان يصح لو اقتضاه ظاهر الآية ، فأما إذا وجب حمل الكلام عليه العدول من الحقيقة إلى المجاز ، فكذلك يجب أن يجوّز لمن خالفه أن يتأوّل الآية على ما قدّمناه . وفي ظاهر الآية ما يدل على ما قدّمناه ، لأنه تعالى ذكره لو أراد به [ الخلق ] في الحقيقة لوجب أن يكون أمرا منه لهم بقوله « كن » ولوجب كونهم مطيعين بإحداث أنفسهم ، قادرين عليها ، مكلفين ، أو يكون أمرا بما يستحيل من المأمور إيجاده على كل وجه ، وتجويز ذلك يقتضي تجويز الأمر باختراع الأجسام وغيره مما يستحيل وجوده من جهة القادر بقدرة . وهذا / مما يغنى وضوح فساده عن تكلف الإكثار فيه .
هامش
( 1 ) في الأصل : « وإثباته » . ( 2 ) في الأصل « ويبطل » .