على أن السواد قد اشتق لمحله من كونه سوادا اسم ، ومن كونه لونا آخر .
فلا يجب مثل ذلك في سائر الأعراض . فكذلك لا يبعد ألّا يشتق لمحل الكلام له منه اسم البتة ، ولا يمنع ذلك من وجوده فيه .
على أن قولهم إنه يجب أن يشتق للمحل اسم من أخص أوصافه ، وهو كونه متكلما وآمرا وناهيا من فظيع الخطأ ، وذلك لئلا يجب ألا يشتق للمحل الاسم إلا من أخص أوصاف المحل ، بل أكثر المعاني تشتق لمحلها من خلاف ذلك . ألا ترى أن من الحركة يشتق كونه متحركا ؛ وليس كونها حركة من أخص الأوصاف ، لدخول المختلف والمتماثل تحت هذه اللفظة فكيف يجب ما قالوه في الكلام الّذي يوجد في المحل ؟ ثم لو ثبت ذلك كيف يصح أن يقال : إن أخص أوصافه كونه كلاما مع دخول المختلف تحته ؟ وهل هذا القول إلا بمنزلة من قال : إن أخص أوصاف السواد كونه لونا أو محدثا أو عرضا ؟ ثم لو صح ذلك كيف يصح أن نفرق بين كونه أمرا وكونه كلاما في أنه من أخص أوصافه ، مع أن كونه كلاما أعم من كونه أمرا لاشتماله على الأمر وغيره ؟ وكيف يصح فيما هذا حاله من الصفات أن تكون كلها من أخص أوصاف الموصوف ؟ .
وبعد . فإن علتهم هذه متى صحت لم توجب إلا الامتناع . / من وصفه تعالى بأنه متكلم بما أحدثه في المحل ، ولا يمنع من كونه محدثا له وفاعلا له ، وذلك امتناع من عبارة ليس في الامتناع منها إلا مثل ما في إطلاقها ، فكيف يعتمد على مثل هذا الدليل في إثبات أمر عقلىّ ! ، أرأيت لو أردنا أن ندل - على أن كلامه سبحانه ليس بمحدث - من لا يعرف اللغات ، أو اللغة العربية ، أو أخرس لا يفهم إلا بالإشارة ، أكان يمكن ذلك فيه ؟ . فإن قال : نعم . بانت مكابرته ، وإن قال : لا . انكشف أن هذه الدلالة موضوعها على عبارة ، فإن الاعتماد على
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 162
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٦٢