في المعاني ما لا يشتق منها لا للفاعل ؛ لأنه إذا جاز اختلاف المعاني في الاشتقاق من الوجه الّذي قدّمناه لم يمتنع أيضا أن يكون في المعاني ما يخالفها ، فيوصف الفاعل منه دون المحل والجملة .
وقد ثبت أن القديم سبحانه يوصف بأنه محسن يخلق الأجسام من آلات وأموال وغير هما ، ولا يوصف من ذلك سواه ، وفارق حاله حال الأعراض ، فهلا جاز أن يستند الكلام بحكم الاشتقاق [ إلى « 1 » ما ] يفارق به سائر الأعراض على ما قدّمناه .
وقد قال أبو إسحاق رحمه اللّه : إن العلة التي لها اختص الكلام بأنه لم يشتق لمحله منه اسم أنه يدرك المحل بإدراكه ، وما يمنع من إدراك أحدهما يمنع من إدراك الآخر ، ولذلك يفارق سائر المدركات ، فلما كان الحال في حكمه مع المحل ما قدّمناه لم تمس الحاجة إلى أن يشتق للمحل منه اسم ؛ لأن الاشتقاقات إنما تراد للفروق وفيما يعقله الإنسان ، ولمّا عرفوا تعلق الكلام بفاعله من حيث علموه موافقا بحسب قصده وإرادته اضطروا إلى أن يضعوا له اسما مشتقا من الكلام يفرق بينه وبين غيره .
ولهذا اختص فاعل الكلام بأن اشتق له منه اسم دون محله .
وعلى هذه الطريقة وصفوا فاعل الصوت بأنه مصوّت ، ولم يشتق لمحله منه اسم . وإضافتهم « 2 » الصوت إلى المحل نحو قولهم : هذا صوت الطست وغيره لا تقدح فيما قلناه ! لأن الإضافة ليست من الاشتقاق بسبيل ، ولذلك وصفوا المحل بأنه قائل آمر ناه ، ووصفوا الواحد منا بذلك . وإذا صحت هذه الطريقة في الكلام في الشاهد ، فكذلك القول في الكلام الّذي يحدثه / اللّه تعالى ويفعله .
وبعد . فلا بدلهم من القول بمثل هذا فيما يفعله تعالى من حكاية كلامه أو العبارة عنه ؛ فما يتعلقون به فيه هو قولنا في كلامه - سبحانه - المحدث .
هامش
( 1 ) زيادة قدرنا أن بها يستقيم الكلام .
( 2 ) في الأصل « وإضافتهما » وهو من خطأ النساخ .