قيل لهم : وكذلك فالذي يبطل كونه حادثا في محل من الكلام إن بطل ذلك هو هذا الكلام المعقول ، فكيف يصح بإبطاله أن تثبتوا شيئا سواه قديما ، وتسموه كلاما ؟ .
/ ولئن جاز لكم ذلك ليجوزنّ لغيركم أن يقول : إني أثبت له كلاما حادثا من هذا الجنس المعقول ، من حيث بطل ما لا يعقل من كون الكلام قديما ، وإن لم يكن لأحد الأمرين تعلق بالآخر .
وبعد . فإن الكلام إنما يصح إثباته للقديم سبحانه على الوجه الّذي قدّمناه ، وهو أن نثبت من هذا الجنس المعقول كلاما على وجه يستحيل وقوعه عليه من العباد ، فيحكم حينئذ بأنه كلام له تعالى وأنه متكلم به . ومتى لم يثبت كذلك لم يكن إلى إثباته كلاما له طريق . والقول بأن كلامه محدث أو قديم فرع على إثبات كلامه . فإذا كان إثباته إنما يصح بالوجه الّذي ذكرناه ، وكان ذلك يحيل كونه قديما ؛ فيجب استحالة ذلك فيه . ولم صار قولهم : إنه قديم من حيث بطل كونه حادثا لا في محل بزعمهم أولى ممن قال إنه محدث من حيث [ إن ] « 1 » طريق إثباته يقتضي حدوثه ، ولا يصح إثباته على غير هذا الوجه كما بيناه من قبل ؟ . فقد بان أنهم يرومون بهذا الطريق إثبات كلامه قديما ، وذلك بعينه يوجب نفى كلامه أصلا .
وقد بينا من قبل أن تعلقهم بهذا الكلام يجريه تعالى على سبيل الحكاية ، وأنه يؤذن باثبات محكىّ قديم لا يصح ، وأن هذا بعينه يوجب بطلان قولهم ؛ لأن الشيء لا يحكى إلا بمثله بالحروف والصنعة ، أو بمثله في أنه قد وضع لما وضع له .
هامش
( 1 ) تكلمة يستقيم بها الكلام .