ومتى قيل : إن إثبات كلام محدث لا في محل تعلق بأن الّذي يستحيل ذلك فيه هو هذا الكلام المعقول . فأمّا إذا كان معنى واحدا لا يتجزأ ولا يتبعض فذلك لا يستحيل فيه ، كما يتعلقون بمثله في الكلام القديم .
وكذلك فلو قال قائل : إنه تعالى ذكره متكلم بكلام محدث يحله ، وتعلق في جواز ذلك بأن الّذي يستحيل هو أن تحله الحوادث على هذا الحدّ المعقول ، فأما إذا كان ذلك / الحادث خارجا عن المعقول وحلوله فيه كمثل ، فغير ممتنع حدوثه فيه ، كما لا يمتنع قيام الكلام القديم به على زعمهم ، [ و ] لم يكن بين قوله وبين ما قالوه فصل ، وكل مذهب حل هذا المحل في أنه لا ينفصل من المذاهب الباطلة ، فالقضاء بفساده عند ذوى العقول واجب .
ثم يقال لهم : لم صرتم بأن تثبتوا كلامه قديما ، من حيث لزم على حدوثه في محل ما ذكرتموه بزعمكم [ أولى ] ممن أثبته حادثا في محل من حيث يلزم على إثباته قديما ما قدّمناه من الوجوه الفاسدة ؟ .
ومتى تعاطينا النصفة كانت الوجوه التي يبطل بها كون كلامه قديما أكثر مما يبطل به كون كلامه حالا في محل بزعمكم . فإن وجب من جملة هذا الكلام أمر فالواجب أن لا يثبت له كلام أصلا ، وإن كان لا بدّ من إثباته ، وإثباته حادثا في محل من حيث لا يلزم عليه إلا الوجه الّذي ذكرتموه بزعمكم أولى من إثباته قديما ، مع أنه يلزم عليه من الوجوه ما لا يكاد يحصى مما نبهنا على أكثرها فيما قبل .
فإن قالوا : إن الّذي يبطل كونه قديما من الكلام هو هذا الكلام المعقول ، ونحن نعترف وإنما ندّعى إثبات كلام مخالف له ، فكيف يجوز لكم ما ذكرتموه ؟ .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 155
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٥٥