ولا يمكنهم أن يقولوا : إن كونه تعالى موصوفا ببعض الصفات لنفسه محال عندنا ، لأنا قد دللنا في باب الصفات على بطلان قولهم في ذلك .
وعلى أنه يجب كونه عالما قادرا لنفسه ، وبينا أنه لا بدّ لهم من أن يقولوا إنه موجود لنفسه ، وإلا لزمهم إثبات ما لا نهاية له . وبينا أن حكمه جل وعز في صفاته التي يستحقها فيما لم يزل حكم السواد في كونه سوادا ، فكما يجب كونه سوادا لنفسه ، فكذلك يجب كونه عالما لنفسه ، ولو كان متكلما فيما لم يزل لوجب أن تكون حاله في ذلك حال سائر الصفات النفسية ، فكان بأن يكون متكلما لنفسه أولى من أن يكون متكلما بكلام قديم .
فقد بان فساد ما أوردوه من القسم أوّلا .
وبعد . فإن القول بأنه متكلم لنفسه ، يوجب الخروج عن المعقول من وجه واحد ، فالقول بأنه متكلم بكلام قديم يوجب الخروج من المعقول من وجوه كثيرة ترجع إلى الكلام ، ومن وجوه ترجع إلى كونه متكلما ، فكيف يجب إثباته متكلما بكلام قديم لو بطل كونه متكلما بكلام محدث دون أن يثبت متكلما لنفسه ؟ .
وبعد . فإن إثباتهم له كلاما قديما هو معنى واحد من حيث بطل كون كلامه مستحيلا ؛ لأن الّذي بطل / كونه محدثا هو الكلام الّذي يعقل كلاما وأمرا ونهيا .
والوجه الّذي ذكروه والّذي يثبتونه قديما ليس بكلام أصلا ، فكأنهم قالوا :
إن المعقول من الكلام إذا بطل كونه محدثا وجب إثبات ما ليس بكلام . وهذا في الفساد كما ترى .
على أن الّذي يصح أن يقال فيه : إنه إذا بطل كونه محدثا وجب كونه قديما هو كل معنى عقلناه وعرفنا وجوده ، وحصل الريب في قدمه وحدوثه ، حسب .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 152
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٥٢