الجواب : أن ما ذكروه أوّلا غلط ؛ لأنه يجب أن يبين أنه ليس بمتكلم لنفسه ولا لعلة « 1 » ، ثم يقسم ما أوردوه من القسمة وهم لا يطلقون ذلك ويبدءون بما ذكرناه .
وقد بينا من قبل أن ما يقولونه من استحالة استحقاق الصفة لا للنفس ولا لعلة لا يصح ، وأن ذلك صحيح إذا قصد به ما ذكرناه من انتفاء أمارة صفة النفس وصفة العلة جميعا فيه ، فليس لهم أن يقولوا إن كونه متكلما لا للنفس ولا لعلة محال .
وليس لهم أن يقولوا : إن الصحيح على قولكم أنه لا يصح أن يقسم كونه متكلما على الوجه الّذي ذكرتم ، لأنه إذا لم يكن له بكونه متكلما حال ولم يرجع به إلا إلى إثبات الكلام فعلا له ، فذكر النفس فيه لا يصح . وقد قلتم من قبل : إن وصف القديم تعالى بأنه متكلم لنفسه فسبيله في أنه متناقض سبيل من وصف بأنه متحرك لنفسه ، فكيف يسوغ إنكاركم الآن على من اقتصر في قسمته على ما قدمناه ؟
وذلك لأننا نمنع من ذكر النفس فيه إذا بنى الكلام على المتكلم المعقول .
فأما إذا قالوا : إنه متكلم فيما لم يزل . فالقسمة التي ذكرناها يصح ذكرها ليبطل الباطل منها ويثبت الصحيح . ولو وجب لما سألت عنه ألا يدخل في القسمة كونه متكلما لنفسه لما حكيته عنا لوجب ألا يدخل فيه كونه متكلما بكلام قديم ، لأن من حق المتكلم المعقول أن يكون كلامه حادثا وواقعا بحسب قصده ، وذلك كما يحيل كونه متكلما للنفس يحيل كونه متكلما لعلة قديمة . فقد صح ما ألزمناهم إياه من إخلالهم ببعض الأقسام . على أنه إذا خرج من قسمتهم أنه متكلم بكلام قديم . ولا بدلهم مع ذلك من إثباته متكلما على وجه لا يعقل / وإثبات كلامه كمثل ، فهلا جاز ألا يكون متكلما بكلام أصلا ، ويكون متكلما لنفسه على وجه لا يعقل ؟ وأي وجه منعوا به ذلك فإنه يوجب المنع مما قالوه .
هامش
( 1 ) وردت العبارة هكذا « ليس بمتكلم لنفسه ولا لنفسه » مكررة ، ولعلها زيادة من الناسخ .