قيل له : وكذلك فإنما يجب إثباته تعالى متكلما إذا انتفى عنه الخرس والسكوت في حال يصح فيها كونه متكلما . فأما فيما لم يزل فذلك غير واجب . يبين ذلك أن الجوهر إذا لم يكن متحركا فيجب كونه في مكان متى صح ذلك عليه في حال وجوده ، ولا يجب ذلك فيه متى استحال عليه في حال عدمه .
فإن قال : فإني أدل أولا على أنه تعالى يصح كونه متكلما فيما لم يزل ، ثم أبين الدليل عليه . فهذا باطل ، لأنه لا طريق يمكنه أن يثبت به صحة كونه متكلما إلا ويقتضي كونه متكلما . ومتى دل بدليل على كونه متكلما فيما لم يزل ، وأقر بأن دليله هذا لا يتم إلا بتقدم ذاك ، فقد أقر بفساده وأنه لا يستقل بنفسه دون أن يقرن إليه ما لو اعتمد عليه بانفراده لصح ، وفي ذلك إقرار منه بأن دليله هذا لغو لا فائدة فيه .
ومما يبين فساد ما أورده ، وأنه اعتمد فيه على الدعوى : أن الحي عندنا قد يخلو مما يتضاد عليه من الصفات ، فيصح ألا يكون مريدا ولا كارها ولا عالما ولا بضده موصوفا في حال يصح ذلك عليه . وقد دللنا على صحة ذلك عند ذكرنا جواز خلو الجوهر من الألوان ، وفي الكلام في أن القادر يجوز أن يخلو من الأخذ والترك . فإذا صح ذلك ، فلو ثبت أن كون الحي متكلما وساكتا وأخرس صفات تتضاد عليه لم يجب بانتفاء بعضها إثبات باقيها .
فإن قيل : هلا جرى ذلك مجرى / إثباتكم الحي رائيا عند وجود المرئى ، إذا انتفت الآفات عنه ؟
قيل له : إنما لم نقل بوجوب كونه رائيا لانتفاء الآفات فقط ، وإنما أوجبنا ذلك لأن الدلالة دلت على أن كونه حيا يقتضي كونه مدركا ؛ فإن كان حيّا بحياة ، واقتضى ذلك شرط صحة الحواس ، فيما يحتاج إلى حاسة ؛ واقتضى كونه مدركا على
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 137
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٣٧