فإن قال : إن كونه حيّا مع انتفاء الآفات والسكوت جميعا يوجب كونه متكلما ، فلا يبطل ما ذكرتموه .
قيل له : إنا قد بينا أنّ الحي إذا كان عاجزا غير قادر البتة لا يقال إنه مئوف ولا أخرس ولا ساكت ، ولا يجب مع كونه حيا أن يكون متكلما ، وذلك يبطل ما ذكرته الآن .
وبعد . فإن كونه حيا لمّا اقتضى كونه مدركا بشرط ارتفاع الآفات ووجود المدرك وجب كونه مدركا لكل ما يصح أن يدركه ، ولم يكن بعض ذلك بأن يدركه بأولى من بعض ، ولذلك يوجب كونه تعالى مدركا لجميع المدركات . فإن كان فيما قلتموه مثله فيجب بنفي الآفات عنه كون الحي متكلما بسائر أقسام الكلام وضروبه ، وهذا مما بينا فساده / من قبل .
يبين لزوم ذلك أنهم مثّلوه بوجوب كونه عالما عند انتفاء أضداد العلم .
وقد علم أن كونه عالما بجميع المعلومات واجب عند ذلك ، فكذلك يجب كونه متكلما بكل ضروب الكلام إذا انتفى عنه الآفات والسكوت . على أنّ كونه حيا إنما أوجب كونه مدركا لمّا كان كالحقيقة لكونه حيا ؛ لأن استحالة كونه مدركا على كل وجه يوجب مساواة الحي للميت ، كما أن تعذر الفعل من القادر على كل وجه يوجب مساواة القادر للعاجز ، وليس كونه متكلما حقيقة لكونه حيا ، ولا له به تعلق ، ولو استحال كونه متكلما على كل وجه لم يؤثر ذلك في كونه حيا .
وإذا صح ذلك فقد بطل سائر ما تعلق به .
ومما يبين اقتصارهم على الدعوى : أن الخرس والسكوت لا يختصان الحي ، لأن الخرس المعقول هو فساد الآلة والعجز عن الكلام ، لأنه في الوجهين يتعذر عليه فعل الكلام بآلته مع صحة كونه فاعلا بها ، وهذا أيضا يختص الآلة . وكونه
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 139
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٣٩