الإطلاق فيما لا يحتاج في إدراكه إلى حاسة ، وإن كان حيا لا بحياة اقتضى كونه مدركا عند وجود المدرك فقط ، كما أن كون الجوهر موجودا يقتضي صحة وجود الحركة فيه ، وكونه موجودا مع كونه مبنيا بنية مخصوصة يقتضي صحة وجود الحياة فيه . ولهذا أوجبنا كون الحي مدركا إذا انتفت الآفات عنه ، لا من حيث انتفت الآفات عنه فقط ، ولا يصح لكم مثله في وجوب كونه متكلما إذا لم يكن أخرس ولا ساكتا ، لأنه لم يثبت أنّ كون الحي حيا يقتضي كونه متكلما بشرط وغير شرط .
فإن قال : إنا نقول إن كون الحي حيا يقتضي كونه متكلما بشرط انتفاء الخرس والسكوت ، كما قلتم بمثله في كونه مدركا .
قيل له : إنما صح لنا ذلك في كونه مدركا لما ثبت أن كونه حيا مع أمر آخر مثبت معقول يقتضي كونه مدركا ، فصح أن نبينه بقولنا إذا كان حيا مع انتفاء الآفات على حصول ذلك الشرط ، ويقتضي كونه مدركا ، ولم يثبت أن كونه حيا مع أمر / آخر من الصفات المعقولة يوجب ذلك حتى نبينه على ذلك بأن يقال : إنه إذا كان حيّا لا آفة به وجب كونه متكلما .
يبين ذلك أنه قد يكون حيّا لا آفة به ، ويكون ساكتا غير مختار للكلام .
وإنما صح ما ذكرناه في كونه مدركا لأنّ كونه مدركا لا يتعلق باختياره ، فيصح وجوده عند كونه حيا إذا انقضت الآفات عنه . وكونه متكلما يتعلق باختياره فلا يجب بنفي الآفات مع كونه حيّا إثباته متكلما .
وليس ذلك بأن يقتضي كونه متكلما بأولى من أن يقتضي كونه ساكتا ، ولا بأن يقتضي كونه متكلما بأولى من أن يقتضي كونه فاعلا للكلام ومختارا له ، أو كونه صائحا أو صارخا .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 138
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٣٨