ومتى قالوا : إذا لم يكن صائحا ولا أخرس ولا ساكتا وجب أن يكون متكلما ، لزمهم على ذلك الحي الّذي هو عاجز ؛ لأن العاجز الّذي لا قدرة في شيء من جوارحه لا يوصف بذلك ، وإنما يوصف بذلك متى اختص لسانه بالعجز دون سائر جوارحه ، كما أن من قطع عروق يده كلها لا يقال إنه مفتصد ؛ وإنما يقال ذلك إذا اختص ذلك الموضع بالقطع . وإن كان في الأظهر لا يوصف الحي بالخرس إلا لفساد يلحق الآلة مع وجود القدرة فيها . وإنما يقال فيمن حل لسانه العجز إنه أخرس ، من حيث شارك المفسود الآلة في تعذر الكلام عليه . وفي علمنا أن / العرب إنما وصفت الأخرس بذلك لتعذر فعل الكلام عليه ، فقد صح أن ما ادّعوه لا شبهة فيه .
ومما يبين اقتصارهم على الدعوى : أنه لا يخلو قولهم في الحي منا إما أن يقولوا : إنه إذا لم يكن أخرس ولا ساكتا فيجب كونه متكلما ، إذا كان ممن يصح أن يتكلم ، أو يجب ذلك ، وإن كان يستحيل أن يكون متكلما .
وقد علم فساد الوجه الثاني ، لأنه لو وجب ؛ بانتفاء الخرس عنه والسكوت كونه متكلما ، وإن كان ممن يستحيل أن يتكلم ، لوجب أن يكون الجماد كالحي في هذا الباب ، بل العرض كالجوهر فيه ؛ لأن الكل قد اشترك في انتفاء الخرس والسكوت عنه ، ولأن انتفاء الصفة إنما يقتضي ثبوت أخرى إذا صحت على الموصوف . فأما مع استحالتها فليست بأن تثبت لانتفاء تلك الصفة بأولى من أن يثبت غيرها من الصفات ، ولذلك لم يجب بنفي أضداد العلم عن الميت كونه عالما ، وإنما يجب ذلك في الحي على طريقة من يقول بذلك .
فقد بطل القول بأنه إذا لم يكن أخرس ولا ساكتا فيجب كونه متكلما ، وإن استحال الكلام عليه . فلم يبق إلا أن يبنى الكلام على أنه إذا صح أن يتكلم ، وانتفى عنه الخرس والسكوت فيجب كونه متكلما .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 135
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٣٥