على أن من قال إن كلامه تعالى لا يوصف لا يخلو أن يريد به أنه لا يجرى عليه من العبارات ما يفيد اختصاصه بما يفارق به غيره ، فإن أشار إلى ذلك فموضوع اللغة يقتضي فساده ، لأن كل عبارة أفادت في اللغة أمرا ما فيجب إجراؤها على كل ما اختص بذلك إلا لمانع ، على ما دلّلنا عليه من قبل . وإن أراد بذلك أن الصفة التي هي الكلام لا تقوم بها صفة أخرى ، فذلك مما لم نسمهم القول به ، فلا وجه للتعلق به ، وإن كنا لو طالبناهم بذلك لكان لازما لهم ، لأنه إذا جاز حاجته تعالى في كونه متكلما عندهم إلى كلام قديم . وإن كان متكلما ، فهلا جاز حاجة كلامه في كونه كلاما إلى معنى ، وإن كان كلاما فيما لم يزل ؟ وإذا جاز أن يقوم الكلام بالقديم تعالى ، وإن لم يكن حالّا فيه ؛ فهلا جاز قيام ذلك المعنى بالكلام . وإن لم يكن حالا فيه ؟ وهذا يوجب كون كلامه موصوفا بصفة أخرى قائمة به ، بل يؤدى ذلك إلى ما لا نهاية له من الصفات . فقد بان أن ذاك لازم لهم ، وأنّ هربهم منه لا يؤثر في لزومه .
وقد بينا من قبل أنه / يلزمهم القول بأنه كلامه ، متكلم بكلام ، إذا كان قديما لنفسه . وبينا أيضا على قولهم أنّ كلامه مخالف لكلامنا ، أن يجوزوا ، لكونه مخالفا لكلامنا ، أن يكون متكلما بكلام ، إلى سائر ما ألزمناهم من الجهالات التي تزيد على مذهب النصارى في هذا الباب ، فلا وجه لإعادته .
وقد بينا أن كلامه الّذي أثبتوه متكلما به فيما لم يزل لا بدّ من أن يكون كائنا لم يزل ، فيكون قديما ، أو كائنا بعد أن لم يكن فيكون محدثا ؛ لأن الموجود لا يخلو من هاتين الصفتين .
وبينا أنّ من امتنع من ذلك وتعلق بأنه صفة ، والصفة لا توصف ، فقد نقض ذلك بإجرائه على كلامه كثيرا من الأوصاف ، لأنهم يصفونه بأنه كلام وأمر ونهى
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 118
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١١٨