ولذلك لا يجوز أن يقال : إن إحسانه يخالف المعقول من الإحسان ، وإن ذلك يصح فيه من حيث كان الإحسان تختلف أجناسه .
فإن قال : إذا صح عندكم أن يكون في مقدوره تعالى لون مخالف لهذه الألوان المعقولة ، ولم يوجب ذلك التجاهل ، فجوزوا إثبات كلام مخالف للكلام المعقول في الشاهد .
قيل له : إن ما أجزناه في اللون لم يخرج به عن طريقه المعقول . لأنا نقول إنه يصير هيئة للمحل ؛ وإنه بالعكس من هذه الألوان من حيث علمنا أنها متضادة ؛ وهي تشترك في أنها هيئة للمحل ؛ فلا يمتنع جواز ضد لها آخر يجرى أمره معها مجرى حال بعضها مع بعض .
وإن طالبنا السائل بإثبات ضد لأجناس الكلام يدرك ويسمع على مثال ما قلناه في اللون فلا قدح له فيه ؛ لأنا إن أجبناه إليه لم يوجب صحة قوله في أن كلامه تعالى مخالف لكلامنا في كونه حروفا منظومة وأصواتا مقطعة ، فكيف وذلك لا يصح ؛ لأن أجناس الحروف في مقدورنا ؛ ومن حق القادر على الشيء أن يكون قادرا على نوعه وضده ؛ فلو كان في المقدور حرف مخالف لما نعقله لأمكننا إيجاده . وتعذر ذلك يبين مخالفة الكلام للون . وإنما جاز ذلك في اللون / لأنا لا نقدر عليه ، فلم يبعد عندنا كون ضد له في مقدور القديم تعالى وإن لم يفعله ؛ لأنه لم يحصل ما يوجب اختياره له .
فإن قال : إذا صح إثبات قديم ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ، ولم يوجب ذلك التجاهل ، فغير ممتنع إثبات كلام قديم مخالف للكلام المعقول .
قيل له : إن الشيء لم يكن معقولا من حيث كان جوهرا أو عرضا ؛ وإنما يجب أن يثبت على ما يقتضي الدليل إثباته ؛ وقد دلت الدلالة على إثبات قديم تنتهى الحوادث إليه ؛ لولاه لما صح إثبات الحوادث ، فأثبتناه على أحوال
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 97
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٩٧