تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
به . فإذا علم أن كل كلمة منه من جنس ما تكلمت به العرب . فلو جاز مع ذلك أن يقال : إنه سبحانه إذا كان كلاما له لم يكن محدثا ، جاز مثل ذلك في كلامنا أيضا . وهذا يوجب أن كلام العباد ليس بمحدث أيضا ، على وضوح فساده . على أن كونه تعالى متكلما بهذا الكلام لم يزل يوجب صفة نقص ؛ لأن من تكلم بذلك من غير أن يستفيد به الحفظ أو غيره ، أو يفيد غيره المراد به ، حل في كونه منقوصا محل كونه مريدا للقبيح ، وكونه جاهلا . وقد بينا أن إثباته تعالى على صفة نقص لا يصح / على وجه . فيجب كون كلامه محدثا في الوقت الّذي قد أوجد من يستفيده ، على ما نذهب إليه في هذا الباب . على أنا قد بينا أن أمر الآمر غيره بالفعل إنما يحسن إذا كان المأمور يفهم ذلك ، أو يتمكن من فهمه ، أو المتحمل لأمر يكون بهذه الصفة . فأما على غير هذا الوجه فإنه قبيح ، والآمر به كالجاهل في أنه على صفة نقص ، فكيف يصح وصفه تعالى فيما لم يزل بأنه آمر أو ناه ؛ وذلك يوجب حدوث كلامه تعالى . على أنه لو لم يكن محدثا لم يكن تعالى منعما علينا بالقرآن ، ولا على رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، ولما صح أن يقول تعالى على وجه الامتنان لرسوله صلى اللّه عليه :
وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ
« 1 » لأن المنعم إنما يصح أن ينعم بما يحدثه أو يجرى مجرى الحادث من جهته ، فكيف يصح القول بأنه قديم ، وكيف يقول تعالى :
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ
« 2 » مع كونه قديما ، والقديم قد ثبت أنه لا يجوز وقوعه على وجه يكون حقا أو باطلا . وكيف يقول تعالى :
مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ
« 3 » .
وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ
« 4 » مع كون جميعه
هامش
( 1 ) الحجر : 87 . ( 2 ) آل عمران : 3 . ( 3 ) المائدة : 48 . ( 4 ) آل عمران : 4 .